فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 967

فإذا قيل: إنه لم يزل فاعلًا بمشيئته وقدرته، وإن الفعل من لوازم الحياة كما قال ذلك من قاله من أئمة السنة كان هذا قولًا بموجب جميع أدلتهم الصحيحة العقلية، وكان هذا موافقًا لقول السلف: لم يزل متكلمًا إذا شاء .

فلم يزل متكلمًا إذا شاء، فاعلًا لما يشاء .

وجميع ما احتج به الكُلاَّبية، والأشعرية، والسالمية وغيرهم، على قدم الكلام، إنما يدل على أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، لا يدل على قدم كلام بلا مشيئة، ولا على قدم كلام معين، بل على قدم نوع الكلام .

وجميع ما يحتج به الفلاسفة على قدم الفاعلية، إنما يدل على أنه لم يزل فاعلا لما يشاء، لا يدل على قدم فعل معين، ولا مفعول معين، لا الفلك ولا غيره .

والغلط إنما نشأ بين الفريقين من اشتباه النوع الدائم بالعين المعينة، ثم إن أولئك قالوا: يمتنع قدم نوع الحركة والفعل لامتناع حوادث لا أول لها، فأبطلوا كون الرب لم يزل متكلمًا بمشيئته، ولم يزل فاعلًا بمشيئته، بل يلزمهم أنه لم يكن قادرًا على الفعل ثم صار قادرًا، ولم يكن ـ أيضًاـ قادرًا على الكلام بمشيئته .

ثم منهم من يقول: صار قادرًا على الكلام بمشيئته بعد أن لم يكن كالكرامية، ومنهم من يقول لم يصر قادرًا على الكلام ولا يمكنه الكلام بمشيئته قط، وهم الكلاَّبية، ومن وافقهم من الأشعرية، والسالمية .

وأما الفلاسفة، فقالوا ما قاله مقدمهم أرسطو .

فكل من قال: إن جنس الحركة حدثت بعد أن لم تكن، فإنه مكابر لعقله .

وقالوا: يمتنع ذلك في جنس الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب حادث، والعلم بذلك ضروري .

فيقال لهم: هذا يدل على أنه لم يزل هذا النوع موجودًا، لا يدل على قدم عين حركة الفلك، وكذلك القول في الزمان والجسم، فإن أدلتهم تقتضى أنه لم يزل موجودًا: حركة وقدرها وهو الزمان، وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم، لكن لا يقتضي قدم شيء بعينه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت