فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 967

ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وقد يكون هذا من أسرار القرآن في كونه لم يأمر بالقتال ابتداء، وإنما أمر بقتال الطائفة الباغية بعد اقتتال الطائفتين، وأمر بالإصلاح بينهما، فإنه إذا اقتتلت طائفتان من أهل الأهواء كقَيْس ويمن إذ الآية نزلت في نحو ذلك فإنه يجب الإصلاح بينهما، وإلا وجب على السلطان والمسلمين أن يقاتلوا الباغية؛ لأنهم قادرون على ذلك، فيجب عليهم أداء هذا الواجب، وهذا يبين رجحان القول ابتداء، ففي الحال الأول لم تكن القدرة تامة على القتال ولا البغي حاصلًا ظاهرًا، وفي الحال الثاني حصل البغي وقوى العجز وهو أولى الطائفتين بالحق وأقربهما إليه مطلقًا، والأخرى موصوفة بالبغي كما جاء ذلك في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد، كما تقدم .

وقد كان معاوية والمغيرة وغيرهما يحتجون لرجحان الطائفة الشامية، بما هو في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة"، فقام مالك بن يخامر فقال: سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم بالشام، فقال معاوية: وهذا مالك بن يخامر يذكر أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام، وهذا الذي في الصحيحين من حديث معاوية فيهما أيضًا نحوه من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"لا تزال من أمتي أمة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك"وهذا يحتجون به في رجحان أهل الشام بوجهين:

أحدهما: أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر إليهم بعد الاقتتال والفتنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا يضرهم من خالفهم"وهذا يقتضى أن الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هى الظاهرة المنصورة، فلما انتصر هؤلاء كانوا أهل الحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت