فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 967

وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية، فعندهم أن الأعمال أهم وأكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها، فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة . . . [ سقط في الأصل نصف سطر ] ، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع .

فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك، من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر .

وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية، بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل، وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره .

وأما الأعمال الواجبة، فلابد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة؛ ولهذا تقر الأمة من يفصلها على الإطلاق، وهم الفقهاء، وإن كان قد ينكر على من يتكلم في تفصيل الجمل القولية، للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة .

وقولنا: إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء:

منها: أنها تنقسم إلى قطعي وظني .

ومنها: أن المصيب وإن كان واحدًا، فالمخطئ قد يكون معفوًا عنه وقد يكون مذنبًا، وقد يكون فاسقًا، وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية سواء، لكن تلك لكثرة فروعها، والحاجة إلى تفريعها، اطمأنت القلوب بوقوع التنازع فيها، والاختلاف، بخلاف هذه؛ لأن الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل إلا لدرء ما هو أشد منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت