فكان جمهور الرأي من الكوفة، إذ هو غالب على أهلها، مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش، وكثرة الكذب في الرواية، مع أن في خيار أهلها من العلم، والصدق، والسنة والفقه، والعبادة أمر عظيم، لكن الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية .
وكثرة الآراء في الفقه، والتشيع في الأصول، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة .
فإنه بعد موت الحسن، وابن سيرين بقليل، ظهر عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، ومن اتبعهما من أهل الكلام والاعتزال .
وظهر أحمد بن عطاء الهجيمي الذي صحب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد صحب الحسن البصري، ومن اتبعه من المتصوفة، وبنى دويرة للصوفية، هي أول ما بني في الإسلام، وكان عبد الرحمن بن مهدي وغيره يسمونهم الفقرية، وكانوا يجتمعون في دويرة لهم .
وصار لهؤلاء من الكلام المحدث، طريق يتدينون به، مع تمسكهم بغالب الدين .
ولهؤلاء من التعبد المحدث، طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع، وصار لهؤلاء حال من السماع، والصوت حتى إن أحدهم يموت أو يغشى عليه .
ولهؤلاء حال في الكلام والحروف، حتى خرجوا به إلى تفكير أوقعهم في تحير .
وهؤلاء أصل أمرهم الكلام .
وهؤلاء أصل أمرهم الإرادة .
وهؤلاء يقصدون بالكلام التوحيد، ويسمون نفوسهم الموحدين .
وهؤلاء يقصدون بالإرادة، التوحيد ويسمون نفوسهم أهل التوحيد، والتجريد .
وقد كتبت قبل هذا في القواعد، ما في طريقي أهل الكلام، والنظر وأهل الإرادة والعمل من الانحراف، إذا لم يقترن بمتابعة الرسول .
كما بينت في قاعدة كبيرة أن أصل العلم، والهدى، والدين هو: الإيمان باللّه ورسوله، واستصحاب ذلك في جميع الأقوال والأحوال .
وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء، وهؤلاء في القول والعمل، إذ لم ينحرفوا انحراف الطائفتين من الكوفيين والبصريين، هوى ورواية، ورأيا، وكلامًا، وسماعًا، وإن كان في بعضهم نوع انحراف لكن هم أقرب .