وأما الشاميون، فكان غالبهم مجاهدين، وأهل أعمال قلبية، أقرب إلى الحال المشروع، من صوفية البصريين إذ ذاك .
ولهذا تجد كتب الكلام، والتصوف، إنما خرجت في الأصل من البصرة، فمتكلمة المعتزلة أئمتهم بصريون، مثل أبي الهذيل العلاف، وأبي علي الجبائي، وابنه أبي هاشم، وأبي عبد اللّه . . . ، وأبي الحسين البصري، وكذلك متكلمة الكلابية والأشعرية، كعبد اللّه بن سعيد بن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وصاحبه أبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وغيرهم .
وكذلك كتب المتصوفة ومن خلط التصوف بالحديث والكلام، ككتب الحارث بن أسد المحاسبي، وأبي الحسن بن سالم، وأبي سعيد الأعرابي وأبي طالب المكي .
وقد شرك هؤلاء من البغداديين، والخراسانيين، والشاميين خلق .
لكن الغرض أن الأصول من ثم .
كما أن علم النبوة، من الإيمان والقرآن، وما يتبع ذلك من الفقه والحديث وأعمال القلوب، إنما خرجت من الأمصار التي يسكنها جمهور أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهي الحرمان والعراقان والشام: المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، وسائر الأمصار تبع .
فالقراء السبعة من هذه الأمصار، وكذلك أئمة أهل الحديث وأثبتهم أهل المدينة، وأهل البصرة، كالزهري ومالك، وكقتادة وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي .
وأهل الكوفة فيهم الصادق، والكاذب .
وأهل الشام لم يكن فيهم كثير كاذب، ولا أئمة كبار في القراءة والحديث .
وكذلك أئمة الفقهاء، فمالك عالم أهل المدينة، والثوري وأبو حنيفة وغيرهما من أهل الكوفة .
وابن جريج وغيره من أهل مكة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد من أهل البصرة، والأوزاعي وطبقته بالشام، وقد قيل إن مالكًا إنما احتذى موطأه على كتاب حماد بن سلمة، وقيل: إن كتاب ابن جريج قبل ذلك .
ثم الشافعي، وإن كان أصله مكيًا، فإنه تفقه على طريقة أهل الحديث غير متقيد بمصره .