فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 424

جمع يجبر بعضهم بعضا؛ لا سيما وأنهم شيوخ، من شيوخ الحديث، وأخذ عنه ابن عدي، وهو الجهبذ، النقاد، الخبير؛ أخذ عن عدة من الشيوخ؛ ولو افترضنا ضعفهم يجبر بعضهم بعضا. الجهالة بهم يجبر بعضهم؛ لكونهم عدة يجبر بعضهم بعضا فيصحح القصة.

لما قدم الإمام البخاري بغداد اختبروه، فعمدوا إلى مائة حديث، ووكلوها إلى عشرة من الأشخاص، قلبت أسانيدها؛ سند هذا جعل لمتن هذا، ومتن هذا جعل لمتن هذا، إلى أن تمت المائة، ووزعت على عشرة أشخاص؛ كل واحد له عشرة أحاديث، فلما استقر بهم المجلس، قام واحد من العشرة، فقال: ما تقول في حديث فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا؟ فقال: لا أعرفه. وما رأيك في حديث عن فلان عن فلان عن فلان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا؟ قال: لا أعرفه. وهكذا إلى أن أتم العشرة -عشرة الأحاديث-، الذي لا يعرف حقيقة الحال يقول: هذا البخاري يطير ذكره عجز، ولا حديث من العشرة أجابه، أما الفهماء من الحاضرين يقول: عرف الرجل. فهم مقصود الرجل، ثم قام الثاني، ففعل وصنع مثل ما صنع الأول، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم العاشر، إلى أن تمت المائة. فلما تمت المائة التفت إلى الأول، قال: قلت: كذا. وصوابه: كذا. الثاني: قلت: كذا. وصوابه: كذا. فتعجب العلماء من حفظه لها على هذا الترتيب، وأقول: أعجب من ذلك؛ حفظه لخطئها كحفظه لصوابها؛ لأن العالم قد يحفظ الصواب؛ لكن كونه يحفظ مائة حديث مقلوبة ملخبطة ما جاءت على وجهها، ثم يحفظ الخطأ ويعيده إلى الصواب بهذه الطريقة؛ عجب. ولا شك أنه من حفاظ الإسناد الكبار.

الدارقطني حفظه تضرب به الأمثال؛ يحضر الشيوخ وهم يملون -يملون الأحاديث-، ومعهم كتاب، كتاب آخر خارج الدرس، ينسخ من كتاب إلى كتاب، ينسخ كتب أثناء الدرس، فلما انتهى الشيخ، قال واحد من الجالسين: أنت النهارده ضيقت علينا، يا أخي الناس تنسخ في بيتها. فقال له الدارقطني: ذكرنا جزاك الله خيرا- مما قال الشيخ. فلم يستذكر ولا حديث، قال: اكتب ما قاله الشيخ. فأملى عليه الأحاديث كلها، واحد بعد آخر. قال: يا أخي: حفظي ليس مثل حفظك. نحن لسنا على منزلة واحدة. نعم. قد يقول القائل: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ؛ لكن الحفاظ يقررون أنه يكفيهم من الحديث شمه. بس يجلب أدنى طرف كلمة ويكمل الباقي؛ عجائب. وكل في فنه، هذا معروف، كل في فنه، من اهتم بشيء أتقنه، نعم. تجد البارع في أي فن من الفنون مثل المرئي، نقول مثل هذا في جميع الصنايع والفنون. تأتي بالسيارة إلى صاحب الورشة، بما إنه بارع يفتت يفكك يفتح هذا، نزل الكبوت، افتح لي ما أدري أيش، افتح الصفاية، شيل ما أدري أيش. ما يقف على علة؛ هذه مسألة حاصلة. صار السيارة فيها رجة، فدخلنا ورشة فيها عمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت