الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعليه وعلى آله أجمعين، أما بعد:
فلا يخفى على من حضر فضل العلم الشرعي وما أعده الله -جل وعلا- من ثواب عظيم لحملته، بل لمن سعى في طلبه ولو لم يدركه، وجاء في الحديث:"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة"مجرد أن يسلك الإنسان الطريق يثبت له إن كان مخلصا لله - عز وجل - هذا الموعود الصادق، فإذا كان العلم يؤثر في الحيوانات بل في أخسها، فماذا عن مسلم مؤمن يبتغي بهذا العلم وجه الله والدار الآخرة.
الأمر في غاية الأهمية، ومقابله في غاية الخطورة؛ لأن العلم الشرعي ويراد به ما يعتمد على الوحيين من أمور الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك، فمن تعلم لكي يقال عالم، هذا مصيره أن يكون أحد الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ولو قيل له: عالم، ولو تبوء منزلة بين الناس، ولو تبوء المنازل والمناصب بين الناس، ليستوفي حقه في الدنيا ويدخر له العذاب يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية.
والعلم الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح حامله هو العلم الشرعي، والعلم الشرعي المعتمد على الوحيين، أما ما سواه من العلوم فهو كغيره مما يعانيه الناس من أمور دنياهم، إن احتسب به نفع المسلمين أُجر عليه كما يؤجر الصانع والمزارع وغيرهما، وإن خلا عن النية فلا له ولا عليه، وهذا بخلاف هذا العلم الذي هو في الحقيقة عبادة بل من أجلّ العبادات؛ ولذا يقرر أهل العلم في أبواب صلاة التطوع يرتبون ما يتطوع به العبد بعد الفرائض ويجعلون العلم وطلب العلم ومدارسة العلم في رأس القائمة، والمراد به علم الوحيين الكتاب والسنة.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون العلم من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة ودون وسائط، فلا يحتاجون إلى وسائل تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فلما وجدت الوسائط بين من ينشد العلم ويطلبه وبين مبلغه عن ربه --عليه الصلاة والسلام-- احتيج إلى مثل هذه الوسائل.
في القرن الأول والثاني العهد قريب، والقرائح باقية، والفطر على ما كانت عليه، ثم لما وجدت الحاجة إلى أن يؤلَّف في علوم الوسائل إلى المقصد الأصلي هو علم الوحيين هذه الحاجة أوجدت هذه العلوم، فألف الناس في العقائد، وبينوا العقائد الصحيحة المتلقاة من كتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وما يبين ذلك من أقوال الصحابة والتابعين لما وجد المخالف في هذا الباب، فبينت هذه العقائد ودونت فيها الكتب حماية للمسلمين وردا على المخالفين.