فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 424

بعد العهد واختلط العرب بغيرهم فاحتاجوا إلى ما يعينهم على فهم كلام الله - عز وجل - فألفت التفاسير، كثرت الوسائط بين الناس وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- فاحتيج إلى أن تبحث أحوال هذه الوسائط جرحا وتعديلا، واحتيج أن يصنف في قواعد من قبل أهل العلم تضبط ما يقال في هؤلاء الرواة من جرح وتعديل، فالحاجة أوجدت هذه العلوم، والعلماء أدوا ما عليهم في خدمة الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة.

احتيج أيضا إلى تدوين أقوال سلف هذه الأمة في القضايا والنوازل ليفاد منها في كيفية التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فألفت كتب الفروع، ووجدت القواعد والضوابط والأصول التي يستعين بها طالب العلم في كيفية التعامل مع النصوص، فألفت بقية العلوم لتخدم الكتاب والسنة.

وهذا العلم -أعني: علم مصطلح الحديث- من هذا النوع، وأُلف للتوصل به وبواسطته إلى معرفة المقبول والمردود مما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فكان موضوعه الأسانيد والمتون الذي نظم فيهما هذا النظم الذي بين أيدينا.

هذا الكتاب الذي معنا كتاب جامع متوسط، لم يكن اختصاره مخلا كالبيقونية وغرام صحيح وغيرهما، ولم يكن مطولا كالألفيات وغيرها مما زاد عليها، قد يقول قائل: هذا نظم وجاءت النصوص بذم الشعر فكيف نتقرب إلى الله - عز وجل - بما جاء ذمه في النصوص، {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) } [1] وجاء في الصحيحين:"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا"هذا ذم الشعر، لكنه محمول عند أهل العلم على من امتلأ جوفه وذهنه وحافظته من هذا النوع من الكلام.

وإذا امتلأ هذا الظرف وهذا الوعاء فإنه لن يكون لما أُمر به من حفظ للكتاب والسنة من كلام الله - عز وجل - وكلام نبيه -عليه الصلاة والسلام، لن يكون له مكانة، فمن كان ديدنه الشعر حتى يمتلئ بحيث لا يستطيع أن يستوعب غيره معه، يرِد فيه مثل هذا الحديث.

وبعض أهل العلم حمل هذا الحديث وما جاء في معناه على الشعر المذموم، ولا شك أن الشعر كلام حسَنُه حسن وقبيحه قبيح، وسمع النبي -عليه الصلاة والسلام- الشعر، وأُنشد الشعر بين يديه -عليه الصلاة والسلام- استمع للشعراء، وأمر حسانا بأن يهجو الكفار، فدل على أن الشعر إذا خلا مما ذكر فإنه من قبيل المباح، ثم إذا اشتمل هذا الشعر على ما ينفع من دفاع على الإسلام وأهله

(1) - سورة الشعراء آية: 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت