.ــــــــــــــــــــــــــ
فلا يملنك ما تكررا ... لعله يحلو إذا تقررا
كم من مسألة قرئت مرارا، فإذا وجدت بعد ذلك في كتاب بأسلوب أوضح، ودراسة أوعب يطرب لها الإنسان، ما يقول والله مليت، البخاري حينما كرر الأحاديث -رحمة الله عليه- هو بالمكرر أكثر من سبعة آلاف، وبدون المكرر ألفين وخمسمائة، ثلاثة أضعاف، هل تظنون أن هذا التكرار لا فائدة فيه؟ لنعتمد على المختصرات، لا يا إخوان البخاري -رحمة الله عليه- لا يكرر الحديث الواحد في موضعين بإسناده ومتنه بغير زيادة فائدة، سواء أكانت في المتن أو الإسناد، إلا في نحو عشرين موضع فقط.
وإذا اقتصرنا على ما لا تكرار فيه حذفنا كل المكررات، ماذا يبقى للأبواب اللاحقة، إذا قلنا: والله هذا الحديث مر في كتاب الطهارة، فلسنا بحاجة بأن نذكره في كتاب بدء الخلق مثلا، ماذا يبقى للأبواب الأخيرة من أبواب الدين نضرب مثالا واحدا: وهذه المسألة ينبغي أن يوليها طلاب العلم عناية فائقة؛ لأن كثير من الناس يعمدون إلى فوائد كذا، فوائد كذا، نعم الحفظ شيء، ودراسة الكتب شيء آخر، في كتاب الرقاق من صحيح البخاري.
وقد أبدع الإمام في هذا الكتاب -رحمة الله عليه- في هذا الكتاب سواء كان في انتقاء المرويات، سواء كان في سياق المتون والأسانيد، سواء في تراجم أبواب هذا الكتاب، أو فيما يختاره من الآثار، كتاب الرقاق يقرب من مائتي حديث مترجم، على كل حديث بترجمة فقه من الإمام -رحمة الله عليه- لو رجعنا إلى المختصرات كم في مختصر الزبيدي في كتاب الرقاق من حديث الأصل مائة وثلاث وتسعون، المختصر سبعة أحاديث، كم يفيد طالب العلم إذا اقتصر على المختصر، فوائد أودعه الإمام، وأبدع فيها، في هذا الكتاب.
ولا شك أن التكرار مفيد يفيد طالب العلم، يعني إذا جيء لك بالفائدة على جهة، ثم أتي بها على جهة أخرى جمعت المسائل، استنبطت قاعدة، نظرت إلى قاعدة، استدللت لها بمسائل فرعية، هذا أو ذاك كله نافع، كل هذا من وسائل تحصيل العلم الميسرة للعلم، المحببة للعلم، لكن افترض أن البخاري اقتصر على ألفين حديث بدون تكرار، ولا شرح، الملل يأتي هنا، تقرأ حديث الأعمال بالنيات، تقرأه عشر مرات لكن، اقرأه في سبعة مواضع من البخاري.