فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 744

ما تراه في اصطباح ... وعقود القطر تنثر؟ ...

ونسيم الروض يختا ... ل على مسك وعنبر ...

كلما حاول سيفا ... فهو في الرّيحان يعثر ...

لا تكن مهمالة واس ... بق فما في البطء تعذر

فجاوبه بما تأخّر فيه عن طبقته. وله في الكرم حكايات، منها: أن زرياب غناه يوما، فأطربه، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، فاحتوشه جواريه وولده، فنثرها عليهم. وكتب أحد السّعاة إليه بأن زرياب لم يعظم في عينه ذلك المال، وأعطاه في ساعة واحدة، فوقّع: نبهت على شيء كنا نحتاج التنبيه عليه، وإنما رزقه نطق على لسانك، وقد رأينا أنه لم يفعل ذلك إلا ليحبّبنا لأهل داره، ويغمرهم بنعمنا، وقد شكرناه، وأمرنا له بمثل المال المتقدم، ليمسكه لنفسه، فإن كان عندك في حقه مضرّة أخرى، فارفعها إلينا.

ورفع له أحد المستغلّين بتثمير الخراج أن القنطرة التي بناها جده على نهر قرطبة لو رسم على الدواب والأحمال التي تعبر عليها رسم لاجتمع من ذلك مال عظيم، فوقّع: نحن أحوج إلى أن نحدث من أفعال البرّ أمثال هذه القنطرة، لا أن نمحو ما خلده آباؤنا باختراع هذا المكس القبيح، فتكون عائدته قليلة لنا، وتبقى تبعته وذكرة السوء علينا، وهلا كنت نبهتنا على إصلاح المسجد المجاور لك الذي قد تداعى جداره واختلّ سقفه، وفصل المطر مستقبل، لكن يأبى الله أن تكون هذه المكرمة في صحيفتك، وقد جعلنا عقوبتك بأن تصلح المسجد المذكور من مالك على رغم أنفك، فيكون ما تنفق فيه منك، وأجره لنا، إن شاء الله.

3 ـ ابنه أبو عبد الله محمد (1)

كان أخوه عبد الله بن طروب قد رشحه أبوه للولاية بعده، وكان نصر الخصيّ يعضده، ويخدم أمه طروب الحظيّة عند عبد الرحمن الأوسط، إلا أن عبد الله كان مستهترا، منهمكا في اللذات، فكان أولو العقل يميلون إلى أخيه محمد. فلما مات أبوهما، وكان ذلك بالليل، اتفق رؤوس الخدم أن يعدلوا بالولاية عند عبد الله إلى محمد فمر أحدهم إلى منزله، وجاء به على بغلة في زي صبيّة كأنّه بنته تزور قصر جدّها، فلما مرّ على دار أخيه عبد الله، وسمع ضجّة المنادمين، وليس عنده خبر من موت أبيه أنشد:

فهنيئا له الذي هو فيه ... والّذي نحن فيه أيضا هنانا

(1) ترجمته في نفح الطيب (ج 1 / ص 337) وتاريخ ابن خلدون (ج 4 / ص 283/ 287) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت