فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 744

ملهج لسانها، وحلّ من عينها مكان إنسانها، وكان له مع أبي الوليد ابن جهور تآلف أحرما بكعبته وطافا، وسقياه من تصافيهما نطافا، وكان يعتدّ ذلك حساما مسلولا، ويظن أنه يردّ به صعب الخطوب ذلولا، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال، وقصره عن الوخد والإرقال، فاستشفع بأبي الوليد وتوسّل، واستدفع به تلك الأسنّة المشرعة والأسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كفّ عنه فنون صرفه، فتحيّل لنفسه، حتى تسلّل من حبسه، ففرّ فرار الخائف، وسرى إلى إشبيلية (1) سرى الخيال الطائف، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام، ونجا إليها برأس طمرّ ولجام، فهشّت له الدولة، وباهت به الجملة، فأحمد قراره، وأرهفت النكبة غراره. وحصل عند المعتضد بالله بن عباد، كالسويداء من الفؤاد، واستخلصه استخلاص المعتصم لابن أبي دؤاد، وألقى بيديه مقاد ملكه وزمامه، واستكفى به نقضه وإبرامه، فأشرقت شمسه وأنارت، وأنجدت محاسنه وغارت، وما زال يلتحف بخطوته، ويقف بربوته، حتى أدركه حمامه، ولقي السّرار تمامه، فأخبى منه شهبا طالعة، وزهرة يانعة، وقد أثبت من مقاله، في سراحه واعتقاله، ومقامه وانتقاله، ما هو أرقّ من النسيم، وأشرق من المحيّا الوسيم، من ذلك قوله متغزلا (2) :

يا قمرا أطلعه (3) المغرب ... قد ضاق بي في حبّك المذهب ...

ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت! فاصفح أيّها المذنب ...

وإنّ من أغرب ما مرّ بي ... أنّ عذابي فيك مستعذب

ورحل عنه من كان يهواه، وفاجأه ببينه ونواه، فسايره قليلا وما شاه، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشّاه، واستعجل الوداع، وفي كبده ما فيها من الانصداع، وأقام يومه بحالة المفجوع، وبات ليله منافر الهجوع، يردّد الفكر، ويجدّد الذكر، فقال [الرمل] (4) :

ودّع الصّبر محبّ ودّعك ... ذائع من سرّه ما استودعك ...

يقرع السّنّ على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيّعك ...

يا أخا البدر سناء وسنا ... حفظ الله زمانا أطلعك ...

إن يطل بعدك (5) ليلي فلكم ... بتّ أشكو قصر الليل معك

(1) إشبيلية: مدينة في الأندلس، فتحها العرب وانتزعها منهم فرديناند. المنجد في اللغة والأعلام (ج 2 / ص 48) .

(2) الأبيات في الديوان (ص 269) طبع الحلبي.

(3) في الديوان: مطلعه.

(4) الأبيات في نفح الطيب (ج 5 / ص 341) وفي الديوان (طبعة علي عبد العظيم) . وفي الأدب الأندلسي والمغربي (ص 127) .

(5) في الديوان: إن يطل ليلك بعدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت