قضاء القاضي بعلمه الشخصي
بقلم د. هاني السباعي
مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن
تقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه أجمعين. وبعد:
هذا بحث شرعي مفصل ومبسط نقدمه لطلبة العلم وللمشتغلين بالقضاء الشرعي وأيضاً للدارسين للفقه المقارن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عملنا خالصاً لوجهه الكريم.
ولمحاولة فهم هذه القضية (قضاء القاضي بعلمه الشخصي) [1] نسوقها في الصورة التالية:
إذا توافرت لدى القاضي معلومات شخصية في الدعوى، كان قد شهد وقوع حادثة من الحوادث ثم رفعت إليه للنظر فيها، فهل يجوز له الحكم اعتماداً على هذه المعلومات التي حصل عليها خارج الجلسة وفي غير نطاق المرافعات والمناقشات التي جرت فيها؟
في هذا الصدد توجد بوجه عام مدرستان في الفقه الإسلامي: الأولى تنادي بعدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه أصلاً سواء في حقوق الله أو حقوق العباد. والثانية ترى جواز ذلك وفي داخل المدرسة الثانية يوجد ثلاث اتجاهات: الأول: يذهب إلى جواز قضاء القاضي بعلمه في سائر الحقوق سواء ما كان منها حقاً خالصاً للعبد أو حقاً مشتركاً بينهما، علم ذلك في زمان ولايته أو قبله في مصره الذي يقضي فيه أو في غيره. الثاني: فيرى أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود التي هي حق خالص لله ويقضي بعلمه فيما عداها سواء على هذا زمن الولاية أو قبلها في مصرها أو في غير مصرها. أما الاتجاه الثالث: فيقصر حكم القاضي على ما علمه في زمان الولاية في مصرها.
المدرسة الأولى: عدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه الشخصي:
يرى أنصار هذه المدرسة أنه ليس للقاضي أن يحكم بعلمه في أي حق من الحقوق، تستوي في ذلك حقوق الله وحقوق الآدميين. وإلى هذا ذهب مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه. [2]
(1) هذا البحث منشور في كتابنا (إثبات جريمة القتل العمد دراسة في الفقه الجنائي المقارن) بتصرف يسير من مطبوعات مركز المقريزي بلندن عام 1427هـ.
(2) ابن قدامة: المغني ج11 ص401. الشوكاني: نيل الأوطار: ج8 ص298. الأم: ج6 ص223، ج7 ص103. ابن رشد: بداية المجتهد: ج2 ص470. ابن فرحون: تبصرة الحكام: ج2 ص25. مالك: المدونة: ج14 ص394. ابن القيم: الطرق الحكمية: ص194.