بقلم/ د. هاني السباعي
مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن
إن هذه الرزيا والحادثات السود المتكررة لقطارات الموت في مصر .. هذا الحريق الذي شب في عربات القطار .. وهذه الجثث المتفحمة وأشلاء القتلى المتعلقة بالاسياخ الحديدية .. هذا النكد والحزن الأسود الذي شمل حياة أهل مصر وخاصة أسر الضحايا .. وهذه الغطرسة السلطوية واللامبالاة بمشاعر وأحزان المنكوبين من قبل المسؤولين ووسائل إعلامهم .. تذكرني بنهر الجنون تلكم القصة الرمزية التي كتبها الحكيم قديماً إذ كان الملك والوزير يظنان أن الشعب مجنون لأنهم شربوا من نهر الجنون المحظور وفي الوقت نفسه كان الشعب في واد معاكس يعتقدون أن الملك ووزيره مجنونان!! فحال الشعوب اليوم كأصحاب نهر الجنون الحاكم وحاشيته في واد والشعب في واد آخر! الحاكم يحمي نفسه بغابة من القوانين الإستثنائية تنزله في في مقام من لا يسأل عما يفعل!! والعياذ بالله!! الحاكم لا يعيش مع الشعب أفراحه وأحزانه وما أكثر هذه الأحزان! الحاكم لا يعيش إلا لمصلحته وما تبقى منه من فتات فلحاشيته وزبانيته .. أما الشعب فلا يصل له من هذا الفتات إلا الدمار وكوارث القطارات وتهدم الجسور وانهيار العمارات والمرافق الخربة والأمراض الفتاكة ومن ينجو من هذا وذاك فمصيره في غياهب السجون أو حياة العبيد!!
هذه المرافق المتهالكة والمتآكلة التي من المفروض أن تكون في مصانع الخردة منذ عشرين سنة على الأقل .. الوسيلة الوحيدة لملايين الفقراء الذين سلبت منهم حقوقهم ولم يبق لهم إلا رحلة العذاب اليومي مع قطار يحمل المنايا بين جنباته وعجلاته!! لم يبق لهؤلاء الفقراء المساكين إلا الصراع الحياتي للحصول على قوت عيشهم .. والحكومة السنية في مصر المحروسة لا تستحي وتصنع ما تشاء .. ولا حياة لمن تنادي!
وبعد هذه التقدمة السريعة أود أن أضرب مثالاً على قضية بسيطة لكن دلالتها عظيمة وهي القوانين التي من المفروض أنها سنت لحماية المجتمع من العابثين والمجرمين والمستهترين بأرواح الأبرياء .. هذه القوانين التي من المفروض أن تكون زاجرة رداعة وفي نفس الوقت منصفة جابرة لخاطر الضعيف والمضرور لكن هذه القوانين نفسها ساعدت في حماية المسؤولين ومنحتهم حصانة تعفيهم من المساءلة الجنائية!! ومن ثم الإفلات من العقاب!! هذه القوانين تميز بين طبقات الشعب الواحد فالقوي يزداد طغيانا والضعيف تدوسه رحى هذه القوانين!! فمثلاً أجازالقانون المصري في قضايا التعويض لمن أصابه ضررسواء المجني عليه أو أهل القتيل الذي يصطلح عليه قانوناً (المدعي بالحق المدني) .. أن يلجأ للقضاء ويطالب بتعويض لجبر هذا الضرر .. لكن هل أنصف القانون المضرور؟! وهل طبق القانون مبدأ المساواة وجبر الضرر بين أفراد الشعب؟! بالطبع لا.