فالمحاكم حين تقرر هذا التعويض تراعي مركز الشخص الإجتماعي وماله وما أصابه من ضرر وما فاته من نفع؛ فلو أن موظفاً كبيراً وعاملاً في شركة ما أصيبا في حادث واحد وبإصابات متماثلة فطالبا بتعويض لكان التعويض الذي يحكم للموظف الكبير كبيراً ولكان التعويض الذي يحكم به للعامل ضئيلاً .. فالقانون يحمي الأغنياء وذوي المراكز الكبيرة حتى وهم أموات أما الفقير فمكانه دائماً في القاع!!
فأي قانون هذا الذي يميز بين أصحاب الوجاهة والمناصب الرفيعة وبين غيرهم من أبناء الشعب!!
أين هذا القانون المتحيز من القانون الجنائي الإسلامي الذي لا ينظر إلى هذه الحيثيات ولا إلى هذه المراكز الإجتماعية فالناس تتكافأ دماؤهم والكل سواء أمام القانون لا فرق بين تابع ومتبوع ولا بين غني وفقير ولا بين وزير وغفير ولا بين رئيس الدولة وأي فرد في المجتمع الكل يسأل جنائياً والكل يجبر في حالة الضرر بنفس المقياس الشرعي.
فالتعويض في الفقه الجنائي الإسلامي: هو المال الذي يحكم به على من أوقع ضرراً على غيره في نفس أو مال أو شرف. فتعويض النفس هو الدية تعطى لورثة المقتول عوضاً عن دمه أو عن حقهم فيه .. وهي جبر لخاطر هؤلاء الذين فقدوا عزيزاً لهم ..
والأصل في هذه المسؤولية ومستند مشروعيتها قوله تعالى في الآية 92 من سورة النساء (ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) .. انظر إلى قيمة الإنسان في جبر الضرر في قتل الخطأ وهو تحرير الإنسان من رق العبودية تقرباً إلى الله مع دية تعطى لأهل القتيل ..
فالقانون الجنائي الإسلامي يحمي حرمة الإنسان حياً وميتاً ففي القتل الخطأ يحكم بالدية كاملة مائة من الإبل أربعون منها أولادها في بطونها تعطى لأهل القتيل .. لأي قتيل لا فارق بين قتيل غني وقتيل فقير فمدير الشركة والعامل معه سواء لا تمييز!!
فلو أنزلنا هذا الحكم المقرر والثابت في الفقه الجنائي الإسلامي على أرض الواقع لوجدنا أن هناك حوالي 900 قتيل تقريباً نتيجة احتراق القطار الذي هو ملك للدولة إذن فالجاني أي المتهم هو الدولة فهي التي يجب أن تدفع دية القتلى 100 من الإبل بالوصف المذكور في كتب الفقه أو 2000 شاة أو 200 بقرة بالشروط والأوصاف المنصوص عليها في كتب فقه الجنايات الإسلامي ..
ولما كانت هذه الحوادث متكررة نتيجة الإهمال والرعونة وعدم اتخاذ الحيطة والحذر فمن ثم تكون العقوبة مغلظة والتكييف الجنائي لجريمة قطار الصعيد طبقاً للمعطيات المذكورة والسوابق الجنائية لمرفق السكك الحديدية يكون أقرب لقتل شبه العمد عند جمهور الفقهاء رغم أنه لا قود فيه لكن تشديد العقوبة يكون في تغليظ الدية، ومن ثم يستحق كل أهل قتيل ثلث دية تضاف إلى الدية الكاملة .. أي بحسبة بسيطة يحصل كل أهل قتيل على 100 ناقة + 33 ناقة إضافية= المجموع 133 من الإبل .. مع العلم أن سعر الجمل في هذه الأيام تقريباً 6000 جنيه مصري .. نضرب ثمن الجمل الواحد في 133 يكون الناتج مبلغ 798000 أي سبعمائة وثمان وتسعين ألف جنية مصري لأهل القتيل الواحد.