فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 868

أما القانون الوضعي فأهل القتيل يظلون عشر سنين بين أروقة المحاكم من محكمة ابتدائية إلى استئناف عال إلى محكمة النقض بغية الحصول على بعض التعويض؛ عبارة عن مبلغ من المال حوالي خمسة آلاف إلى سبعة آلاف جنيه مصري في المتوسط!! لأن هذا المبلغ الذي يحكم به عادة لصغار الموظفين وفقراء الناس وهم غالبية قتلى القطارات والكوارث العامة الأخرى!! يقسم على المحامي الذي يحصل عادة على ثلث المبلغ والباقي لأهل القتيل .. وخلال هذه المدة يمل أهل القتيل من طول الإنتظار؛ فمنهم من يضيع بين الزحام ومنهم من يموت جوعاً ومنهم من يضيق ذرعاً بهذه القوانين الظالمة فيسير في طريق الغواية و يبيع نفسه للشيطان .. ومن هنا تختل المعادلة في المجتمع ومن هنا تنتشر الجريمة ويكون الأمر فوضى والدماء البريئة مهدرة لا قيمة لها!!

أما آن لهذه الأنظمة الحاكمة أن ترجع إلى قانون الجنايات الإسلامي بدلاً من هذا التشرذم والضياع والإستهتار بحياة الشعوب في ظل قوانين خردة عفا عليها الزمن كقطارات الموت!! هذه القوانين لم تكن يوماً صالحة لردع الأشقياء أو لجبر الأبرياء .. أما آن لهذه الأنظمة أن ترجع إلى هذا القانون العظيم الذي رفع من قيمة وقدر الإنسان حياً وميتاً حتى وهو جنين فهو محاط بالعناية والحماية وحرمته مقدسة فلو أن شخصاً قتل جنيناً خطأ فله دية كاملة مثل دية الكبيرلا تزيد ولا تنقص .. ومن اعتدى على هذا الجنين عمداً فالقصاص نفساً بنفس ..

إن قيمة الإنسان في الشريعة الإسلامية تفوق أي تقدير لقيمة الإنسان في أي قانون أرضي .. فانظر إلى قيمة الإنسان في هذه الآية: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) ...

لكن للأسف الشديد رضيت هذه الأنظمة الحاكمة أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .. فصار دم الإنسان رخيصاً لا يساوي ثمن ناقة!! بل غالباً لا يساوي شيئاً ... فبئس للظالمين بدلاً ..

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية

لندن في 5 مارس 2002

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت