[بقلم: د. هاني السباعي (مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن) ]
تقدمة لا بد منها:
كأني إذ نعى الناعي كليباً *** تَطايرَ بين جنبيّ الشرارُ
حقاً لقد تطاير بين جنبيّ الشرار ليس لأن مهلهلاً بكى أخاه كليباً! بل لأن آلة الكذب الأمريكية لا تزال سادرة في غيها!
لقد حوقلت واسترجعت وأنا أسمع الكذب الصراح عبر وسائل الإعلام!
تخيلوا! ثلاثة شبان من أرض الإسلام؛ مهبط الوحي والتنزيل ينتحرون! ثلاثة من تلكم البقعة الطاهرة التي نشرت نور التوحيد في المعمورة يقتلون أنفسهم انتحاراً في سجن جوانتانامو! سجن العار والشنار للحضارة الغربية الحديثة! لو كان هذا الخبر يتكلم عن (انتحار) مسلمين حديثي عهد بالإسلام! لكان للخبر بعض المصداقية! لو كان مصدر الخبر هيئة مشهورة بالحياد والصدق مثلاً! لقلنا لعل وعسى! لكن أن يراد لنا أن نصدق أن ثلاثة أخيار أطهار من شباب الإسلام المظلومين ينتحرون على طريقة أهل الأسكندناف، والأنجلو سكسون؛ الذين يتخلصون من حياتهم لضيق عارض أو لاكتئاب مؤقت أو لهجران عشيقة أو لأي شئ تافه من متع الدنيا الزائلة! فلا وألف لا! فهؤلاء الشبان الشهداء (نحسبهم كذلك) تربوا وترعرعوا في أرض التوحيد؛ الحرمين واليمن، وهم معدن العرب النفيس، أحفاد الصحابة الأبرار، ونسل السلف الصالح حفظة كتاب الله الذين حملوا مشاعل الحق في كل الدنيا!
فهل هؤلاء طلاب الحق والشهادة ينتحرون؟! فكلنا يعلم من هو الصادق الأمين! وكلنا يعلم من هو الكذاب الأشر! ألم يشبعوا كذا؟! إنهم يتناسلون إفكاً! ويتنفسون كذباً، وويفرّخون زوراً وبهتاناً! فهم كما تقول العرب في المثل: (أكذبُ مَنْ دبّ ودرج) ! وهم عار في جبين البشرية! فآلة التضليل والكذب تريد أن تقنعنا أن أبناء الحرمين واليمن السعيد! قد انتحروا! سبحانك هذا بهتان عظيم!
إن أقصى ما يقوم به هؤلاء الاخوة في مثل هذه السجون الإضراب عن الطعام لمدة معينة وقد جربته شخصياً عندما كنت في سجن (بيلمارش) سيئ السمعة في بريطانيا منذ عدة أعوام فقد أضربت عن الطعام قرابة شهر وكنت أشرب الماء فقط لكي ينقلونا من هذا السجن وفعلاً تم نقلنا جميعاً إلى سجن آخر بعد أن اشترطوا علي أن أفك الإضراب! وكنت أعلم أن جسدي سيتحمل ولن يضار من خلال سؤالي لبعض الأطباء سابقاً ولمعرفتي بحالات مشابهة وقد شاركني في هذا الإضراب أخ فاضل اتفقنا على أنه إذا شعرنا بانهيار في أجهزة الجسم فلابد من إنهاء الإضراب على الفور بطريقة لائقة. ولكن ولله الحمد لم يحدث ذلك واستجابت إدارة السجن في النهاية لمطالبنا! وكما إن أي مسلم مبتدئ يعلم قول الله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء:29) ، ويعلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ) . لكن هؤلاء الاخوة المعتقلين يلجأون أحياناً إلى هذه الوسيلة (الإضراب عن الطعام) لأنها معترف بها لدى الغرب، ومن ثم يلجأ البعض إليها لتخفيف الضغط عن بعض الممارسات القمعية التي يقوم بها حراس السجن أو للاحتجاج على طول سجنه بدون محاكمة أو لإبلاغ وسائل الإعلام بقضيتهم لكي ينظروا إليهم بعين الاعتبار!
هكذا من منطلق حسن الظن بأهل الإسلام الصادقين ولاسيما من نوعية شباب الحرمين واليمن وأهل الجزيرة فإنهم لا يقبلون على الانتحار لأنهم يعلمون أن الأمر كله بيد الله ولو شاء لأطلق سراحهم! ولكنه الابتلاء الذي يؤجر عليه العبد الصابر المحتسب أو كما جاء في سنن البيهقي بسند صحيح: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً؟ قَالَ: «النَّبِيُّونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِى دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِىَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا تَبْرَحُ الْبَلاَيَا عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى تَدَعَهُ يَمْشِى عَلَى الأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) .
وكنت قد سألت أحد الاخوة (في لندن) المفرج عنهم من جوانتانامو عن حقيقة ما يشاع عن محاولات الانتحار المتكرر في جوانتانامو! قال لي لم يكن انتحار بل الأمر أن الاخوة الأفغان غاروا لدينهم ولم يستطيعوا أن يتمالكوا أعصابهم وهم يرون جندياً حقيراً يضع المصحف الشريف في المرحاض ويدوس عليه أمام أعينهم فطفقوا يضربون رؤوسهم في الأسلاك الحديدية حتى أصيبوا فتناقلت وسائل الإعلام الخبر على أن المسلمين في جوانتانامو يحاولون الانتحار ولم يتكلموا عن حقيقة إلقاء القرآن الكريم في المرحاض وتمزيقه مرات