فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 868

ودقائقها ينبغي أن نعرض لما أجاب به أنصار كل مدرسة على أدلة الطرف الآخر، وذلك على النحو التالي:

(ا) مناقشة أدلة المدرسة الأولى:

أجيب على ما استدل به أنصار المدرسة الأولى على عدم جواز أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي:

الرد على الاستدلال بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [1]

قال المخالف: لا دلالة في هذه الآية على عدم جواز القضاء بالعلم الشخصي للقاضي، وذلك لأن الاقتصار على الشهود لا يستلزم عدم ثبوت الحد بغيرهم، فمن المسلم به أن المقذوف لو أقر بما نسب إليه لسقط الحد عن القاذف، وإن لم يأت بأربعة شهداء، مع أن ذلك لم يذكر في الآية الكريمة.

الرد على حديث الملاعنة:

وما أخرجه مسلم عن ابن عباس في قصة الملاعنة: قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا» [2]

قال المخالف: واضح من سياق الحديث أنه لا يدل على عدم القضاء بالعلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بزنا تلك المرأة. وإنما قامت لديه قرائن توحي بارتكابها لذلك، فترك رجمها راجع لعدم قيام دليل قاطع على صدور الزنا منها. والأمور التي تدل على زناها مجرد قرائن وهي غير صالحة لبناء الحكم عليها. ولو سلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في شأن الملاعنة فإنه لا يصلح للاحتجاج به على منع القضاء بالعلم لأنه عليه السلام إنما لم يقض بعلمه لكونه قد تم اللعان بينها وبين زوجها وهو وحده كاف لدرء الحد.

قال الشوكاني:"وظاهره أنه صلى الله عليه وسلم قد علم وقوع الزنى منها ولم يحكم بعلمه. ومن ذلك قول أبي بكر وعبد الرحمن المتقدمان، ويمكن أن يجاب عن الحديث؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لم يعمل بعلمه لكونه قد حصل التلاعن، وهو أحد الأسباب الشرعية الموجبة للحكم بعدم الرجم والنزاع إنما هو في الحكم بالعلم من دون أن يتقدم سبب شرعي ينافيه" [3]

قال ابن حزم::"وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها وهذا لا حجة لهم فيه لأن علم الحاكم أبين بينة وأعدلها" [4]

الرد على حديث أم سلمة:

(1) النور: آية 4.

(2) مسلم: الحديث رقم 3833.

(3) الشوكاني: نيل الأوطار ـ تحقيق أنور الباز ـ دار الوفاء ـ المنصورة ـ مصر ـ ج6 ص349.

(4) ابن حزم: المحلى ـ ج8 ص526.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت