وقد تولى كبر هذه المدرسة الكلامية واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاف والنظام والجاحظ والقاضي عبد الجبار وغيرهم، ثم زين المستشرقون آراء هذه الفرق الضالة. فسار- على تلك المنظومة وخاصة في القرنين المنصرمين - قلة من أبناء المسلمين المتسمين بالإسلام فبعد الطهطاوي جاء الرجل اللغز جمال الدين الأفغاني وتلامذته محمد عبده ومحمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق شلتوت وعبد العزيز جاوي ومحمد فريد وجدي وعلي عبد الرازق وغيرهم وعلا صوت هذه المدرسة وتم تلميع أئمتها كالأفغاني ومحمد عبده، فصارت فتاواهم عمدة وتكأة لآراء العلمانيين ومن يسمون أنفسهم بالإسلام المستنير!! وصار كل من هبّ ودبّ يتكلم في الإسلام كطه حسين الذي لم يجد نقيصة إلا ووصم بها الإسلام. طه حسين الذي قدم لنا الآداب الميتة ولغتها المندثرة كاليونانية وكان ينقب عن النشاز في التاريخ فيبرزه كثورة الزنج والقرامطة تزلفًا وعرفانًا بالجميل لأسياده المستشرقين في ظل هذا الجو الكئيب وسيطرة الفكر الاعتزالي على جامعاتنا ومراكز الدراسات كان من الطبيعي أن يفرز ذلك المناخ الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة على الفكر الاعتزالي والمنظومة الماركسية الحمراء فأخرج لنا مؤلفاته التي تسير على غرار المنظومة الماركسية ولما كان مصرًا على الاحتفاظ باسم مسلم فإنه صار على منهج المتناقضات بغية التوفيق أو قل التلفيق في تأويل الحدث التاريخي الطويل من البحث والتنقيب ظهر سلخ جديد اسمه اليسار الإسلامي، فصار التاريخ الإسلامي يسار ويمين فالمعتزلة يسار، والأشاعرة يمين، والفلسفة بها يمين ويسار، فالفلسفة عند ابن رشد يسار .. والفلسفة الإشرافية عند الفارابي وابن سينا يمين .. والتشريع يمين ويسار .. فالمالكية التي تقوم على المصالح المرسلة يسار، والفقه الافتراضي عند الحنفية يمين وفي التفسير بالمعقول يسار والتفسير بالمأثور يمين وفي التاريخ الفتنة الكبرى علي يسار ومعاوية يمينٍ. [1]
(1) العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب - محمد حامد الناصر- مكتبة الكوثر- الرياض الطبعة الأولى، ص330و331