الأرواح الطيبة من صفات الكمال، قهرت الجسم وصار تحت أمرها، فيكون مندرجًا فيها، فيصير الإنسان كله مناسبًا للعالم الروحاني، ومتى ما كان بالضد كان بضد ذلك ويبعد عن العالم، فكانت الفترة - والله أعلم -
استخلاصًا له عليه السلام وتقوية لروحه بالانقطاع إلى الله والاشتغال به، حتى صار الجسم في ملك الروح، فحصل كمال المناسبة اللائقة به عليه السلام لذلك الجناب، والله الموفق للصواب.
ومن هذا السر - والله أعلم - قوله عليه السلام: (من أخلص لله أربعين صباحًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ، حيث ناسب بالإخلاص الذي هو من صفات تلك الأرواح المقدسة، أفيضت عليه سجال الحكمة.
الرابع: من حكم الفترة: أن الفترة كانت تمرينًا له عليه السلام، فإن مقام الرسالة الذي أوحى إليه به بعد الفترة مقام صبر وتحمل ومسايسة، فإذا حمل وصبر على ما هو أشد وهو انقطاع الوحي، فيحتمل ما هو أخف وهو أذى الخلق وتكذيبهم وجفاهم. والله أعلم.