فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 515

منهاج، أن تفوض إلى الجناب المشار إليه وظيفة كذا وكذا، وقد وقع التمويه في الفروق بينه وبين غيره عند أهل التبصرة والهداية وهو نهاية المطلب، وعيون المسائل وتاج رؤوسها والمذهب الذي تهذيبه في أدب القاضي كفاية، وهو البحر الذي ما دخلنا بسيطه المبسوط، إلا قالت التورية إنه في البسيط كامل، ولا نظرنا إلى حليته الجلالية إلا غنينا عن المصباح بنوره الشامل، وقد ميزناه على مناظريه لما أقروا له بالتعجيز، وقرت عيون ابن البارزي - نور الله ضريحه - بهذا التمييز، وألغينا ذكر علوم يجل قدره عن نسبتها إليه، ولكن ثغور سيناتها تبسم عند ذكره وأفواه ميماتها تكثر الثناء عليه، فليتلق ذلك فإنه العزيز عندنا، والمنتقى لهذا التشريف الذي هو ديباجة رقمه، وإذا ذكرنا الأصول فأصوله محفوظة، وهو المعتمد عليه في التمهيد والمستصفى ببديع عمله، ولو عاش ابن الحاجب ما تغزل في رفع حاجبه وخفض له جانبه، وعلم أن جلالنا عين الإسلام فلم نرفع على العين حاجبه، والوصايا كثيرة ولكن جواهر ذخائرنا تلتقط من إملائه وأماليه، وهو جامع مختصراتها ومظهر زوائدها ببيانه ومعانيه، لا زال حديث فضله يتسلسل مع الرواة ويسند، ولا برح أجل من أوضح الرسالة في مسند محمدِ وأحمد" (1) ."

وفي يوم الخميس الثامن ربيع الآخر؛ نودي في الناس من قبل المُحْتسب أَن يَصُومُوا ثلَاثة أيام آخرهَا يوْم الْخمِيس خَامِس عشر؛ ليخْرجُوا مَعَ السلْطان فيدعوا الله بالصحراء في رفع وباء الطاعون هذا وقد فشا بالديار المصرية وبأعمالها، ثمَّ أعِيد النداء في ثاني عشر أن يصُومُوا من الغد، فتناقص عدد الْأمْوات فيهِ، وَأصْبح كثير من الناس صياما، فصاموا يوْم الثلَاثاء وَيوْم الْخمِيس وَبطل كثير من الباعة بيع الأقوات في أول النهَار كَمَا هِيَ العَادة في أول شهر رمَضَان.

وِفي يوْم الْخمِيس خَامِس عشر؛ نودي في الناس بالمضي إلَى الصَّحراء من الغد وأن يخرج العلمَاء وَالفُقَهَاء ومشايخ الخوانك وصوفيتها وَعَامة الناس، وَنزل الْوَزير الصاحب بدر الدّين بن نصر الله والأمير التاج الأستادار بالصحبة إلَى تربة الملك الظاهِر برقوق، ونصبوا المطابخ بالحوش القبلي مِنْهَا، وأحضروا الأغنام والأبقار، وَباتوا هُناكَ في تهيئة الْأطعمَة والأخباز، ثمَّ ركب السلْطان بعْدَمَا صلى صَلَاة الصبْح، وَنزل من قلعة الْجبل وَهُوَ لابس الصوف، وعَلى كَتفيهِ مئزر صوف مسدل كَهَيئةِ الصوفية، وَعَليهِ عِمَامَة صَغيرة جدا لَها عذبة مرخاة من بين لحيته وكتفه الْأَيْسَر، وَهُوَ بتخشع وانكسار، وفرسه بقماش ساذج ليْسَ فيهِ ذهب ولَا حَرير، وَقد أقبل الناس أفواجا،

(1) يوسف بن تغري، النجوم (14/ 77) ، والسيوطي، حسن المحاضرة (2/ 174) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 494) ، ومحمد السخاوي، الضوء اللامع (9/ 13) ، وابن حجة الحموي، خزانة الأدب وغاية الأرب (2/ 422) ، ومحمد بن أحمد الحنفي، بدائع الزهور (2/ 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت