فهرس الكتاب
وَسَار شيخ الِإسْلَام قاضِي القُضَاة جلال الدّين البلقِينِيّ من منزله مَاشِيا في عَالم كَبير، وَسَار مُعظم الْأعْيان من مَنازلهمْ مَا بين ماش وراكب حَتَّى وافوا السلْطان بالصحراء قريبا من قبة النصْر، وَمَعَهُمْ الْأعْلَام والمصاحف، وَلَهم بذكر الله تعَالَى أصوات مُرتفعَة، فنزل السلْطان عَن فرسه وَقامَ على قدَمَيهِ، وَعَن يَمينه وشماله القُضَاة والخليفة وَأهل العلم، وَمن بين يدَيهِ وخَلفه طوائف لَا يحصيها إلَّا خَالقهَا سُبْحَانهُ، فبسط يدَيهِ ودعا الله وهُوَ يبكي وينتحب، والجم الغفِير يراهُ ويشهده زمَانا طويلا، ثمَّ ركب يريد الحوش من التربة الظاهِرية، وَالناس في قدمه وَبين يدَيهِ حَتَّى نزل وَأكل مَا تهيأ، وَذبح بِيدِهِ قربانًا قربة إلَى الله مائَة وخمسين كَبْشًا سمينًا من أثمان خَمسَة دَنانير الوَاحِد، ثمَّ ذبح عشر بقرات سمان، وجاموستين، وجملين، وَهُوَ يبكي ودموعه تنحدر - بِحضْرَة المَلأ - على لحيته، ثم ترك القرابين على مضاجعها كَمَا هِيَ وَركب إلَى القلعة، فتَوَلّى الوَزير والتاج تفرقتها صحاحًا على الْجَوَامِع الْمَشْهُورة والخوانك وقبة الِإمَام الشَّافعي وتربة الليْث بن سعد ومشهد السيدة نفيسة وعدة من الزوايا، حملت إليْهَا صحاحًا، وَقطع مِنْهَا عدَّة بالحوش، وفرقت على الفُقَراء، وَفرق من الْخبز النقي يوْمئذٍ عدَّة ثَمانية وَعشْرين ألف رغيف تناولها الفُقَراء من يد الوَزير، وَبعث مِنْهَا إلَى كل سجن خَمسمِائة رغيف، وعدة قدور كبار مَملوءة بالطعَام الكثير واللحْم، هَذَا وَشَيخ الِإسْلَام البلقيني في طائفَة عَظِيمَة من النَّاس يقرؤون القُرآن، وَيدعونَ الله حَيْثُ وقف السلْطان، وَشَيخ الحدِيث النبويّ - شهَاب الدّين أحْمد بن حجر - في صرفية خانكاة بيبرس، وَغَيرهم كَذَلك، وَأهل كل جَامع ومشهد وخانكاه كَذَلك، حَتَّى اشْتدَّ حر النهَار، وانصرفوا وَركب الوَزير بعدهم قبيل نصف النهَار إلَى منزله، فكَانَ يوْمًا مشهودًا لم يدرك مثله، إلَّا أنه بِخِلَاف مَا كَانَ عَليْهِ السّلف الصَّالح، فقد خرج الِإمَام أحْمد - عَن شهر بن حَوْشَب - في حَدِيث طاعون عمواس أن أبا عبيْدَة بن الْجراح قامَ خَطِيبا فقَالَ: أيهَا الناس؛ إن هَذَا الوجع رحْمة من ربكُم، ودعوة نبيكُم، وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ، وَأن أبا عبيْدَة يسْأل الله أَن يقسم لنا حظًا مِنْهُ، فطعن فمَاتَ، واستخلف معاذ بن جبل فقَامَ خَطِيبا بعده فقَالَ: أَيهَا النَّاس؛ إن هَذَا الوجع رحْمة من ربكُم، ودعوة نبيكُم، وَمَوْت الصَّالِحين قبلكُمْ، وَأن معَاذًا يسْأل الله أن يقسم لآل معاذ حَظه مِنْهُ، فطعن ابنه عبد الرحْمن فمَاتَ، ثمَّ قامَ فدَعَا ربه لنفسِهِ فطعن في راحَته، وَلقَد رأيته ينظر إلَى السَّمَاء ثمَّ يقبل كَفه وَيقُول: مَا أحب أن لي بما فيك شَيئا