فهرس الكتاب
والده سنة (805 هـ) ، كان ابتدأ فيه من الموضع الذي انتهى أبوه، وقطع عند قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ، وكان يقرأ بين يديه جمال الدين السنباطي الشافعي على الكرسي، فيقرأ ساعة، ثم إذا سكت ابتدأ الجلال في عمل الميعاد، وكان هذا دأبه مدة ثمانية عشر سنة، وخلفه من بعده أخوه صالح (1) .
استهل المحرم من سنة (824 هـ) والسلطان المؤيد ملازم للفراش، وقد أفرط به الإسهال الدموي مع تنوع الأسقام وتزايد الآلام، بحيث إنه لم يبق مرض من الأمراض حتى اعتراه في هذه الضعفة، غير أنه صحيح العقل والفهم طلق اللسان، وقد اشتد الأمر بالسلطان من الآلام والإرجاف تتواتر بموته، والناس في هرج إلى أن توفي قبيل الظهر من يوم الاثنين تاسع المحرم، فارتج الناس لموته ساعةً ثم سكنوا، وطلع الأمراء القلعة، وطلبوا الخليفة المعتضد بالله داود، والقضاة والأعيان لإقامة الأمير أحمد بن السلطان المؤيد في السلطنة، وكان أبوه قد عهد له بذلك، فخلع عليه، فتسلطن، ثم أخذوا في تجهيز السلطان الملك المؤيد، وتغسيله، وتكفينه، وصلي عليه خارج باب القلعة، وحمل إلى الجامع المؤيدي، فدفن بالقبة قبيل العصر، ولم يشهد دفنه كثير من الأمراء والمماليك لتأخرهم بالقلعة، ومات وقد أناف على الخمسين، وكانت مدة ملكه ثماني سنين، وخمسة أشهر، وثمانية أيام.
أما السلطان الجديد؛ فهو الملك المظفر أبو السعادات أحمد بن المؤيد شيخ، وعمره سنة واحدة وثمانية أشهر، وسبعة أيام، وأركب على فرس من باب الستارة، فبكى، وساروا به وهو يبكي من صغر سنه، مما أذهله من عظم الغوغاء، وقوة الحركة، وصار من حوله من الأمراء وغيرهم يشغله بالكلام، ويتلطف به، ويسكّن روعه، ويناوله من التحف ما يشغله به عن البكاء، حتى وصل إلى القصر السّلطاني من القلعة، فأنزل من على فرسه، وحمل حتى أجلس على سرير الملك وهو يبكي، وقبل الأمراء الأرض بين يديه بسرعة، ولقبوه بالملك المظفّر بحضرة الخليفة المعتضد بالله أبى الفتح داود، والقضاة الأربعة، ونودي في الحال بالقاهرة ومصر باسمه وسلطنته، وقام الأمير ططر بأعباء الدولة (2) .
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 259) ، ويوسف بن تغري، النجوم (15/ 494) ، وأحمد بن حجر، رفع الإصر ص 170.
(2) يوسف بن تغري، النجوم (14/ 167) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (7/ 26) ، وأحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 237) .