فهرس الكتاب
وفي ربيع الثاني، توفي الشيخ يوسُف بن أحْمد بن يوسُف الْجمال الصفي، ثمَّ القاهري المَالكِي، وقد كَانَ شَيخا مهابا، كثير البر والإيثار للْفُقَراء، قائما بأحوالهم، يأخُذ لَهم من الْأغْنياء، وَله كرامات كَثيرة، صلى عَلَيْهِ شيخه الْجلَال البلْقِينِيّ بصَحْنِ جَامع الْحاكم في مشْهد حافل، وَدفن بالْقربِ من الكَمَال الدَّمِيريّ في مَقْبرة سعيد ال سعَدَاء (1) .
وفي العاشر من صفر، جمع الْأمِير الكَبير ططر عِنْده بالأشرفية من القلعة قضَاة القُضَاة، وأمراء الدولة ومباشريها، وكَثيرا من المماليك السلْطانية، وأعلمهم بأن نواب الشَّام، والأمير ألطنبغا القرمشي وَمن مَعَه من الْأمَراء المجردين، لم يرضوا بما عمل بعد موت المُؤَيد، ولَا بد للناس من حَاكم يتوَلَّى تدْبير أمُورهم، ولَا بد أن يعينوا رجلا ترضونه ليقوم بأعباء المملكة، ويستبد بالسلطنة، فقَالَ الْجمِيع: قد رضِينا بك، وكَانَ الْخليفَة حَاضرا فيهم، فأشْهد عَليْهِ أنه فوض جَمِيع أمُور الرعية إلَى الْأمِير الكَبير ططر، وجعل إليْهِ ولَاية من يرى ولَايته، وعزل من يريد عَزله من سَائر الناس، وَأن يعْطي من شَاءَ مَا شَاءَ، وَيمنع من يختار من العَطاء؛ مَا عدا اللقب السلطاني، وَالدعاء لهُ على المنابر، وَضرب اسْمه على الدَّنانير وَالدَّراهِم، فإن هَذِه الثلَاثة أشْياء باقية على مَا هِيَ عَليْهِ للْملك المظفر، وَأثبت قاضِي القُضَاة زين الدّين عبد الرحْمن التفهني هَذَا الِإشْهَاد، وحكم بصِحَّتهِ، وَنفذ حكمه قضَاة القُضَاة الثلَاثة، ثمَّ حلف الْأمَراء للأمير الكَبير يمينهم الْمَعْهُودَة، وكَانَ سَبب هَذَا أن بعض فقَهَاء الْحَنفِيَّة تقرب إلَى الْأمِير الكَبير بنقْل أخرجه إليْهِ من فروع مذْهبه، أن السلْطان إذا كَانَ صَغيرا وَأجْمع أهل الشَّوكَة على إقامَة رجل ليتحدث عَنهُ حَتَّى يبلغ رشده، نفذت أَحْكَامه، وَأقام أيامًا يحسن لهُ ذلك (2) .
شهر ربيع الآخر، أهل بيوْم الْجُمُعَة، والعسكر في أهبة السّفر إلى الشام لأجل عصيان النواب، وَفي يوْم الِاثنيْنِ رابعه، ركب الْأمِير الكَبير نظام الملك ططر من القلعة وَمَعَهُ الْأمَراء والمماليك السلْطانية، وَدخل إلَى القَاهِرة من باب النصْر، وخرج من باب زويلة إلَى القلعة، فكَانَ فِي موكب سلطاني لم يفقد فيهِ إلَّا الجاويشية والعصابة، وَهَذَا أول موكب ركَبه، فإنَّهُ مُنْذُ مَاتَ المُؤَيد شيخ لم يركب سوى يوْمه هَذَا، وَفي سادسه؛ نودي من قبل الْأمِير الكَبير نظام الملك ططر في سَائر المماليك السلْطانية باجتماعهم لتنفق عَليْهِم النفَقَة.
(1) محمد السخاوي، الضوء اللامع (10/ 300) .
(2) تقي الدين المقريزي، السلوك (7/ 31) ، ويوسف بن تغري، النجوم (14/ 176) .