فهرس الكتاب
"ومما فات المتقدمين" (1) ، ثم أبدى رغبته في المساهمة، وخطر في خواطر ابن الجوزي أن التصنيف في علوم القرآن أولى وسكت، وعبر صاحب كتاب المباني بالترك وعدم المشاركة ولم يعلل.
وأحسن التفات وقفت عليه هو للبلقيني، حيث يضيئنا بكلام قصير، ومعنى غزير، يمكن أن نعدها جوابا وإن لم يصرح هو بالتأخير، يستشف منها أن التصنيف في علوم الحديث منصب على السند ورواته، فمساحة الإبداع منحصرة، وتنوع الأنواع يحكمها العد والحساب، وهو ما نعدمه في علوم القرآن، فأنواعه شاملة، وعلومه كاملة؛ تخدم السند، والقراء، والآية القرآنية، وأي كتاب؛ كتاب رب الأرباب، الذي طفح إعجازا لأولي الألباب، تتفجر منه المعاني البديعة والحكم الرشيدة، والعبر الجميلة، والقصص المليحة، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] .
ومن كان هذا وصفه، وأكثر من ظنونا سمته، بل تحت كل كلمة من كلمه، حكمة من حكمه وكل جملة جمل، يقصر عن إداركها الأمل، فالأولى بالعارف التسليم لمالك المعارف، وإن كان في ذلك إفادة ما علم، فاللبيب من سلم، استنفر بعض عقول الأذكياء الملهمين بحسب الجهد والوسع؛ هذا مؤدى كلامه، وغاية قصده، في التفاتة يمكن أن تغوص بنا إلى دقائق أكثر جوهرية وصدى، تليق بعمق الطرح، وقعره البعيد.
بعد تقليبي لعشرات الكتب المتخصصة بحثا عن الإجابة، لم يوقفني تطرق لهذه الجزئية، اللهم إلا كتابة البروفيسور عبد الرحمن الحاج صالح، ومنشور الدكتور عداب الحمش على ملتقيات التواصل الاجتماعي، وإن كان في كلامهما شيء من الطول، لكن استحببت النقل ولو إيجازا.
قال الأستاذ الحمش:"لماذا اهتمّ علماء المسلمين بكتابة مصنفات كثيرة في (علوم الحديث) ، ولم يكتب كتابٌ جامعٌ نسبيًا قبل كتاب (البرهان) للزركشي في نهاية القرن الثامن؟"
(1) ينظر: البرهان (1/ 102) .