فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 515

الترك وعدم الاشتغال، أم سيغرقنا في متاهة التفضيل بين المحدثين والمفسرين؟، وهل ينفي هذا وجود المتحكمين في اللغة والأصول والتفسير في قرون سبقت الزركشي، أم يعني أن الأهلية تعذّرت حتى بزَّ البرهان والمواقع؟.

إنَّ ما ذهب إليه الحمش من عظم شرط المفسر من الذهنية الوقادة المشتعلة تحكما بالفنون على تنوعها - كون القرآن أم العلوم ومفتاحه مجمع الآلات المتزاحمة -، قد يجيب على طرف من الاستشكال، ويكشف جزءا من الحقيقة؛ لكن أن يكون هو الجواب فليس بمتجه.

إذ لا يخفى على الحصيف أن المفسرين على قلتهم وخفة وزنهم في الكفة المرجوحة المقابلة للمحدثين، كانت تفاسيرهم مشحونة بعلوم القرآن، وأصول التفسير، في مضامين التحليل، وأثناء العملية الاجتهادية، كما أن المفسرين تباينت اهتماماتهم، فالبيضاوي عرف بالتأصيل الفقهي، وأبي حيان الأندلسي تبحّر في بحره المحيط بالتدقيق النحوي، وغاص أبو عبد الله القرطبي في جامعه يتتبع أحكام القرآن، وغيرهم من المترجَمين في طبقات المفسرين في فترات الإهمال على حدّ تعبير السيوطي التي أوصلها الأدنَهوي إلى ثلاثمائة واثني عشر مفسرا قبل المائة السابعة، فكانت نفوسهم مستودع الأنواع، وعقولهم مركوزةً بالضوابط والأصول، وما المحاولة الحديثة في نظرية التأسيس والتجديد والتركيب إلَّا حفرٌ من مناجم هؤلاء التي ما فتئت تنبجس في كل ضَربة مِعْول بالخام الذي لا ينضب، وعليه فالتأخر لم يرتبط بغياب الأهلية، إذ التأصيل قديم بقدم المؤولين، وإنما التبس واحتف بالإطار التاريخي عوامل أخرى، أخرت التصنيف في علوم القران على طريقة التنويع والإحاطة والبلورة غير المِراسَة والتأهيل.

صحيح أن البلورة عرفت استنهاضا بعقول يطبعها قالب الأصول، كالكافيجي أو الزركشي أو البلقيني أو السيوطي؛ لكن ما أشرت به من المفسرين قبل الطبقة السابعة، وتوسعهم في العلوم العقلية والنظر، يُه زز هذا الاحتمال ويبقيه بعيدا.

تبقى مقاربة البلقيني من أن القرآن بشمول أنواعه وكمال علومه مقارنة بأنواع الحديث التي تضيق عدا وتناولا غدا التأليف فيه قليلا، صامدة أكثر من طرح الحمش الموحي بغياب المتأهلين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت