فهرس الكتاب
المستجمعين حتى نهاية القرن الثامن، وإن كان في بداية كلامه ت وفيق، وذلك بمشقة علوم القرآن وهو الجانب المستساغ المقبول.
كل هذا محاولة مني للخلوص بنتيجة ليست قطعية أو حتمية، وإنما قراءات في تاريخ هذا العلم المشرق، وتأملات في نقول سطرتها أعمدة الفن، تضفي مع غيرها بسياج منيع، وتغذّي فلسفة البناء بأرضية رصينة.
وأما كلام الحاج صالح؛ فأغترف منه ما يخدم الفكرة وينميها، وإن كان كلامه متوجها إلى أصول التفسير بالدرجة الأولى؛ إلا أنه يتقاسم مع علوم القرآن، والتشابه بين العلمين في إطلاقات المتقدمين واستعمالاتهم يبيح لنا هذا، وفي ما يلي بعض كلامه مع طوله لارتباطه؛ قال:"إن ثمة ما يقارب ثلاثة قرون تفصل بين تأسيس علم أصول التفسير، وبين تأسيس العلوم العربية الإسلامية الأخرى، وهي مسافة زمنية كبيرة جدًا، تثير السؤال عن سبب تأخر بلورة هذا العلم وتدوينه نسبة إلى العلوم الأخرى؟ وإذا كان جواب السيوطي هو «إهمال المتقدمين» ، فإن هذا الجواب السهل لا نجده كافيًا، إذ لا بد من مبررات علمية كانت تحفّ بالإطار التاريخي طيلة هذه القرون الخمسة، وعلى ما يبدو فإن تاريخ نشأة العلوم العربية والإسلامية الأخرى تكشف بحد ذاتها عن السبب الحقيقي الكامن خلف هذه الظاهرة، فقد كانت أولى القضايا التي واجهت المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات مسألة"العجمة"، و"إعجاز القرآن"، و"عربية القرآن"في سياق الجدل الكلامي مع الفرق، فأما مسألة العجمة فقد أفرزت ما سمي بـ"علم النحو"، الذي تبلور على يد العلامة سيبويه (ت 187 ه) في كتابه الشهير"الكتاب"؛ إذ يرجع الباحثون نشأة هذا العلم إلى انتشار"اللحن"بدخول الشعوب غير العربية في الإسلام، ولأن اللحن يحول دون التواصل مع الكتاب الكريم، بل ويعرضه للخطأ وسوء الفهم، فقد كان الدرس النحوي لتقويم اللسان حفظًا لفهم القرآن الكريم وحسن أدائه، وأما قضية"إعجاز القرآن"فقد كانت الشغل الشاغل للمتكلمين، وقد أوصل البحث فيها إلى ولادة"علم البلاغة"، وليس غريبًا أن يكون ذلك على يد متكلمين مثل المعتزلة، وتحديدًا الجاحظ الذي ابتكر أهم مصطلحاته خصوصًا مصطلح"المجاز"، وأدى أيضًا البحث في إعجاز القرآن إلى إنشاء علم"مشكل القرآن"على يد"