فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 515

ابن قتيبة (ت 276 ه) في كتابه"تأويل مشكل القرآن"، الذي يبحث في انسجام القرآن وتماسك نظمه، هذا فيما أدّت قضية"عربية القرآن"إلى جمع اللغة وتدوين المعجم، فولد"علم المعاجم"أو المعجمة العربية مع الخليل الفراهيدي (ت 170 ه) في معجمه النفيس"العين"،كما أن توسع ديار المسلمين بالفتوحات فرض تغيّرات في أنماط الحياة وفي مستجدات فتحت باب الاجتهاد الفقهي على مصراعيه، بما يعني ذلك من تأويل للنصوص وبحث في دلالتها، أدّت هذه الأحداث بعمومها إلى محاولة ضبط الفوضى الفقهية، بعدما كثر المجتهدون بتأسيس"علم أصول الفقه"على يد الإمام الشافعي (ت 204 ه) - رحمه الله - في كتابه"الرسالة"، وقد فتحت ظاهرة الفرق الوضع في الحديث النبوي الشريف، مما استدعى تدوين الحديث، وابتكار شروطه، ولأن التدوين كان الشاغل الرئيسي فإن البلورة النظرية لعلم المصطلح بدأت مبكّرة جدًا (سنجدها لدى الإمام مالك(ت 179 ه) ، والبخاري (ت 256 ه) ، ومسلم (ت 261 ه) .. الخ)، لكن تدوينها كان متأخرًا؛ إذ لم يأتِ حتى تأليف الحسن الرامهرمزي (ت 360 ه) كتابه"المحدث الفاضل بين الراوي والواع"، ثم ابن الصلاح (ت 643 ه) في مقدمته الشهيرة في علوم الحديث، وإن كان أصول علم الحديث نجدها عند الشافعي في رسالته بمفاهيمه ومصطلحاته، وقد تطورت لاحقًا بشكل كبير في باب رئيس من أبواب أصول الفقه هو"السنة"، وما أن تأسست هذه العلوم حتى استقلت وتغيّرت وظيفتها، وأصبحت مسألة فهم عموم القرآن تحظى باهتمام ثانويٍ، فقد انتقل النحو مثلًا من مهمة ضوابط يسيرة يقيم بها المعربون ألسنتهم بعد أن ضاعت السليقة العربية إلى علم دقيق معقّد ومتطور يدرس لذاته، فلم يعد يقتصر على كونه أداةً لصون العربية من اللحن والزلل، بينما انتقلت البلاغة لدراسة"الفصاحة"، وأسست المعجمية بحوث اللغة (الصرف، المعجم) ، وأصبحت دراسة غريب القرآن جزءًا من الدراسة اللغوية تستثمر في التفسير، لكن هذا الانفصال الطبيعي يشير إلى أن هذه العلوم قد أنجزت المهمة الرئيسية التي قامت لأجلها، وهي مهمة محصلتها صيانة العربية لصيانة التواصل مع القرآن وفهمه، وبالتالي حلت هذه العلوم بالاشتراك مع الخبر والرواية (النبوية والآثار) مقام علم مستقل للتفسير؛ ولذلك كان منطقيًا أن يحيل المفسّر دومًا على علوم اللغة، وأحيانًا قليلة على علم الأصول (خصوصًا فيما يتعلق بآيات الأحكام) ؛ ولذلك أيضًا احتل السلف الصالح - رضي الله عنهم- موقع المرجعية في التفسير،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت