فهرس الكتاب
فقد نظر إليهم باستمرار على أنهم"أعرف باللغة"، و"أعلم"بها وبأساليب العرب في التعبير والبيان، فضلًا عن شهادتهم عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي حدود هذا الإطار كان يتم التركيز على دور اللغة في التفسير؛ فقد اعتبرت هذه العلوم أدوات ناجزة لتفسير القرآن الكريم، حتى قيل إن كتاب الله"لا يتفسّر إلاّ بتصريف جميع العلوم فيه"، والعلوم اللغوية هي أهم هذه العلوم، وبذلك فقد استغني عن تأسيس"علم أصول التفسير"بوصفه علمًا مستقلًا، واكتفي بالإشارة إلى"شروط التفسير"، و"شروط المفسّر"بشكل موجز في مقدمات التفاسير، وهذا يكشف لنا عن سبب بروز أداتين رئيسيتين في التفسير:"علوم اللغة"التي غالبًا ما يشار إليها بوصفها أساس منهج"التفسير بالرأي"، و"الرواية"التي غالبًا ما يشار بوصفها أساس منهج"التفسير بالنقل"، بحيث بقي علم الأصول هامشيًا في المناهج التي سادت كتب التفسير حتى اليوم، وأيًا ما يكن تفسيرنا لغياب أو تأخر تأسيس (علم أصول التفسير) ، فإن هذا لا يلغي أن المسألة تستحق الدرس والبحث" (1) ."
سدد الأستاذ أيما تسديد في تحليله لفلسفة العلم، وطريقة إنتاجه، والظرف الحالي الذي أخر نشأه وتشكله، بعيدا عن لزومية الصواب من خطئه.
وأما رأيي - والله أعلم - (2) : فهو أن القانون الضروري في ولادة العلوم هو الحاجة، لا العبث أو
(1) عبد الرحمن الحاج، تأسيس أصول التفسير وصلته بمنظور البحث الأصولي ص (53) .
(2) وتمثلي في هذا المقام بقول الطاهر بن عاشور، في حديثه عن وجوه إصلاح التعليم وأسباب تأخره، بعد إسهابه القول عن أطوار التعليم ومناهجه ووصفه في البلاد الإسلامية ثم في تونس خاصة، ما نصه:"وصلنا إلى إصلاح العلوم، وكنا على نظرة من ذلك، ولكن بعد الغاية ووعورة الطريق وقفت بي أياما عن متابعة الإملاء في هذا الشأن لأنظر من قبل جهات الخلل فيها حتى أضع الهناء موضع النقَب، وقد وجدت نفسي بعد طول التفكر لم تزل موقنة بأن هذا بحث عصيب، وأن المتكلم فيه لا يخرج منه وهو في جميعه مصيب، ولكن لو انتظر كل شارع أن يصل إلى الغاية، لوقفت الأشياء كلها"، وقال أيضا:"رأيت الذي يطمع في البحث عن موجبات تدلّي العلوم يرمي بنفسه إلى متسع ربما لا يجد منه مخرجا في أمد غير طويل"وهو كما قال - رحمه الله -، ثم تكلم بكلام ملهم.
ينظر: أليس الصبح بقريب ص (305 و 313) ، ويُرغب في قراءة هذا الكتاب لكل فئات المتعلمين.