فهرس الكتاب
الصدفة، فلم يُخلق إلا وغَائيته التفعيلية منوطة بأبعاده الهيكلية، وأدواته الموضوعية الوقتية، وما إن تطور بها الزمن إلا وأخذت شكل الأم الحاضنة لفروع تابعة تخصصية، عرفت بالأصول والقواعد والأنواع، اتسمت بالنتيجة الحتمية لمحامل الجبر والزمن،"وبين أن كلما كانت العلوم أكثر تشعبا، والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطر إليها من تقدمهم، كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر" (1) ، وهذه العلوم التابعة وصلا، تسمى بالعلوم الموصلة هدفا، فهي آلات تضبط العملية الاجتهادية، وتصوب النظر، فعلم التفسير علم مطلوب بالاعتبار الأول، والعقل التفسيري قديس في طبقات العقول ومراتب الفحول، إذ كتاب الله لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه؛ من لغة، وفقه، وقوة عارضة، تشرف بحرزها قلائل معدودون مفارقة بطبقات الفقهاء والمحدثين والقراء واللغويين، وما ذاك إلا أن النص القرآني مرتع متشابك يستقي منه ذوو الفن المتخصص المتعدد، وحصرها في رجل استقامت عنده التخصصات عملة نادرة حتى في رجالات التفسير؛ كالطبري وجامعه بين الرواية والدراية، وما المناهج المطروقة شرحا، واختراجا، إلا خير تدليل، فكان التفسير الفقهي، والإعرابي، والغريبي، والنحوي، والصرفي، والنقلي، والعقلي، والجامع، والموضوعي، والمقارن، والإجمالي؛ فينزع المفسرون في تفسيراتهم هذه المناهج توافقا مع التهيء العلمي القدراتي من جهة، والحاجي الوقتي من جهة أخرى.
ولتأخر التصنيف في فنون القرآن وشائج بالعلوم الأخرى، فالفقه ملتصق بالإمام الذي يطعم البطون (2) ، يوكّل عادة فقهاءه وأصحابه، مرتبط في ازدهاره بالمذهب الذي تدين به الطبقة الحاكمة، وتتبناه في كل صغير وكبير منتصرة له، نابذة بقية المذاهب بتعصب جلف، كما أنه علم عملي من جهة ثانية، يستعمل في الحياة اليومية، من طهارة اللباس، وأقسام المياه، إلى
(1) ينظر: محمد بن رشد الحفيد، الضروري في أصول الفقه ص (35) ، والحسان شهيد، نشأة العلوم الإسلامية وتطورها: تأسيس علم مقاصد الشريعة أنموذجا ص (15) وتكلم بكلام متين رصين يحتاج لتوقف.
(2) مما أشار به الأستاذ الطيار عليّ في استفساري له بقوله:"الفقه يوكّل".