فهرس الكتاب
أحكام الجنائز، والنكاح، والعدة، والحدود، والضمان، والجهاد، فكل مكلف مفتقر في كلحركة يخطوها بعلم الفقه، ثم يضطر الجاهل ثالثا إلى دفع الفقيه ليوقع له الفتاوي، وينظم لهالجواب في ورقة أو كراسة أو مجلدة، فربط العلم بتعصب الإمام، والاحتياج اليومي، والتصنيف
القصدي، ناهيك عن تفرقه إلى مذاهب متنوعة، ومساهمة كل قطر وربع في العالم بمساجلة رأيه، واجتهادات الأصوليين في إخضاعه لقواعد تذل له لسالكيه، ما تغيب مجتمعة أو متفرقة في علوم القرآن.
وكذلك الحال بالنسبة لعلم الكلام (كنزعة أملاها باعث التعصب والتحزب) ، ومسائل الإمامة والصفات؛ التي شغلت الساحة أكثر من غيرها، انحرفت عن أصلها،"فأصبحت لا ترى التآليف إلا مناقشات وخصومات على الألفاظ والعبارات، وفي ذلك يضيع عمر الطالب، ويخور فكره، ويصبح رجلا قادرا على المكابرة واللجاج بغير حجاج" (1) ، مغْرقة الأمة في جدل كلامي عقيم، أثرت في تشكل علوم القرآن، بل في قعود الأمة عن النهوض بلهَ رجعيتها، ويظهر هذا الأمر بجلاء لكل ناظر في فهارس المخطوطات، إذ تغطي معظمية الأجزاء هي وسابقتها، ونصيب علوم القرآن كقاعدة مطردة: النزر اليسير، والندرة، ولك أن تسأل كل أمين خزانة عن كتب علوم القرآن وكتب العقيدة؟ لتستبين.
وأما بالنسبة لعلم الحديث، فعرف تشكلا ونضجا في بداية مبكرة، والسبب الكامن خلف تعجيله، أن كتب متون الحديث ليس فيها إلا الرواية مطلقة، مجردة من أي قواعد حديثية يميز بها الصحيح عن الضعيف، وكيفية التحمل والأداء، وآداب المحدث والسماع، فوضع العلم كحاجة لضبط الفوضى، خاصة مع فشو الكذب والوضع، فتولد علم الحديث، وتشجر الحديث إلى رواية ودراية (مصطلح الحديث) ، أما بالنسبة لعلوم القرآن، فلم تكن الحاجة فيه ملحة لاستظهاره، وتشقيقه من التفسير؛ إذ التفسير يتوزع على نمطين من البداية: رواية ودراية،
(1) ينظر: محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب ص (292) .