فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 515

وعلوم القرآن ثلته في الأول، وغالبيته في الثاني، فلم يكن ملتحم البنية على شاكلة علم الحديث لوجوده أصلا لمن طلبه، كما أنه آلة محلية، يتموقع مع الآية القرآنية ويزيل لبسها في حيزها، فكل آية يجتمع فيها من علوم الكتاب ما يكشفها؛ من سبب نزولها، وغريبها، وقراءاتها، ومكيها، ومدنيها، ومشكلها، ومناسبتها، وطريقة الاستنباط منها بإعمال قواعد اللغة والأصول ... إلخ.

هذا، ولاستقلالية النوع القرآني في الاهتمام والتأليف مساهمة فاعلة في دفع التشكل قرنا بعد قرن من الوهلة الأولى (1) ، فغالبية الأنواع التي تكلم عنها الزركشي والبلقيني والسيوطي؛ كأسباب النزول، والوجوه والنظائر، والناسخ والمنسوخ، وأحكام القراءة وفضلها ورسمها، عدا الأنواع الأصولية الصرفة، واللغوية الصرفة، من الوفرة والتطور بمكان، حتى أن بعضها بلغ المئات ككتب القراءات والغريب، وبعضهم يصنف ثلاثة كتب أو أربعة في النوع الواحد، ماحدا بعلوم القرآن متماسكة في البروز إلى حين عصرها، مع زيادة الدقة والاختصار (2) ، فكان من بعضها: فنون الأفنان لابن الجوزي (597 ه) في تسعة أنواع، والبرهان للزركشي (794 ه) في سبعة وأربعين

(1) مع وضوحها وتجليها من القرن الأول، كمخاطبة الشافعي لبعض خلفاء بني العباس، وجوابه له بما يزيد السبعين نوعا بجمع الروايات، كما سيأتي في مطلع النص المحقق ص (175) .

(2) وفي هذا الصدد يقول ابن عابدين:"وَأنتَ ترى كُتبَ المُتأخرينَ تفُوقُ عَلى كُتبِ الْمُتقَدمِينَ في الضَّبْطِ وَالِاخْتصَارِ وجَزالةِ الْألفَاظِ وجَمعِ المَسَائلِ، لِأَنَّ المُتقَدمِينَ كَانَ مَصْرفُ أذْهَانِهمْ إلَى اسْتنْباطِ المَسَائلِ وَتقْويِم الدَّلَائلِ؛ فالعَالِمُ المُتأخرُ يصْرفُ ذِهْنهُ إلَى تنْقِيحِ مَا قالوهُ، وَتبْيينِ مَا أجْملوهُ، وَتقْييدِ مَا أطلقُوهُ، وجَمْعِ مَا فرقوهُ، وَاخْتصَارِ عِباراتِهمْ، وَبيانِ مَا اسْتقَرَّ عَليْهِ الْأمْرُ مِنْ اخْتلَافاتِهمْ، فهُوَ كَمَاشِطةِ عَروسٍ رباهَا أهْلهَا حَتَّى صَلحَتْ للزوَاجِ، تزيّنهَا وَتعْرضُهَا عَلى الْأزْواجِ، وَعَلى كُلٍّ، فالفَضْلُ للْأوَائلِ كَمَا قالَ القَائلُ:"

كَالبحْرِ يسْقِيهِ السَّحَابُ وَمَا لهُ ÷ فَضْلٌ عَليْهِ لِأنهُ مِنْ مَائهِ

نعَمْ فضْلُ المُتأخرينَ عَلى أمْثالنا مِنْ المُتعَلمِينَ"."

ينظر: محمد بن عابدين الحنفي، رد المحتار على الدر المختار (1/ 28) ، وعبد الحكيم الأنيس، التراث وإشكالية النضج والاحتراق ص (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت