والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها بالليل؛ لأن قصة أهل قباء كانت في الصبح، وقباء قريبة (1) من المدينة، فيستحيل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَّرَ البيان لهم من العصر إلى الصبح؛ وهذا بعيد (2) .
ومما نزل ليلًا، آية الإذن في خروج النسوة للحاجة في سورة الأحزاب، والظاهر أنَّها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] الآية.
ففي البخاري من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجت سودة(3) بعدما ضُرِبَ الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:"يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين"، قالت:"فانكَفَأت راجعةً ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده"
(1) في نسخة"ز": وقباء قرية، وهو تصحيف.
(2) قال هبة الله بن سلامة:"واختلف أهل العلم في أي صلاة، وفي أي وقت، فقال الأكثرون: حولت القبلة في يوم الاثنين، النصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة، في وقت الظهر".
ويكون الجواب عن الحديث الأوَّل توفيقا مع الحديث الثالث حديث البراء بن عازب، ما نقله السيوطي عن ابن حجر قوله:"الأقوى أن نزولها كان نهارا، والجواب عن حديث ابن عمر؛ أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وقوله:"
"قد أنزل عليه الليلة"مجاز، من إطلاق الليلة على بعض اليوم والليلة التي تليه"."
أما الحديث الثاني؛ فليس فيه إشارة إلى وقت النسخ، والجمع إن أمكن أولى ومقدَّم على الترجيح.
ينظر: هبة الله بن سلامة، الناسخ والمنسوخ ص (35) ، وعبد الرحمن السيوطي، الإتقان (1/ 137) .
(3) سودة بنت زمعةَ بنِ قيسٍ القرشية، أم المؤمنين، أول من تزوج بها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد خديجة، كانت سيدة جليلة نبيلة، ضخمةً، هاجر بها، وماتت بالمدينة زمن عمر (54 ه) ، روي عنها خمسة أحاديث. =