لما بلغ ثماني عشرة سنة، كتب له والده رحمه الله إجازة عظيمة من جملتها:"وإني لما رأيت من ولدي الفاضل المفنن أبي الفضل عبد الرحمن البراعة في فنون متعددة من أصول الفقه، والفقه، والفرائض، وغيرها مما يظهر من مباحثه على الطريقة الجدلية، والمسالك المرضية، والأساليب الفقهية، والمعاني الحديثية، ولقد اختبرته بمسائل مشكلة، وأبحاث معضلة، فأجاد في الجواب، والمرجو من الله أن يوفقني وإياه للصواب، ولقد خاض في الأصول والفقه والفرائض الخوض الحسن، وبذلك ظهرت أبحاثه بين الفقهاء من أهل الزمن، فعند ذلك استخرت الله تعالى الذي ما خاب مستخيره، واستجرت ... (1) كرمه الذي ما ندم مستجيره، وأذنت له بالفتوى على مذهب الإمام الشافعي إمام الأئمة - رضي الله عنه - وأرضاه، وجعل قصور الجنة متقلبه ومثواه، سالكا في ذلك كله التقوى، فبها يرشد إلى الصواب في الفتوى، ويستمسك بالسبب الأقوى، ووصيته بالإقبال على طاعة ربه، يسر الله لنا وله سبيل حبه، وتلفظت له بالإجازة في ذي القعدة، سنة إحدى وثمانين وسبع مائة (781 ه"(2) .
وفي يوم السبت ثامن عشر شوال سنة (783 ه) توفي الأمير آنص العثماني والد الأتابكي برقوق، وكان أسلم وحسن إسلامه، وكان يحب فعل الخير ويكثر من الصدقة على الفقراء والمساكين، ويطلق المحابيس الذين في السلاسل ويصالح عنهم أخصامهم، ويطلقهم إلى حال سبيلهم، وقد مات قبل أن يلي ولده برقوق السلطنة، ولما مات أعطى الأتابكي برقوق جلال الدين ألف دينار ليحج بها عن والده الأمير آنص في هذه السنة، فأجَاب إلَى ذَلك وجُهز أحسن جهاز، وسافر صُحْبة الركب (3) .
وفي يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة) 834 ه (جمع الْأمِير الكَِبير برقوق الْأمَراء والقضاة ومشايخ العلم وَأهل الدولة والخليفة إلَى عِنْده بالحراقة من الإصطبل، وعرفهم أن الْأمُور مضطربة لصِغر سنّ السلْطان صلاح الدين، وَقلة حرمته، وَأن الوَقت مُحْتاج إلَى ملك عَاقل يستبد بأحوال الدولة، وَيقوم بأمُور الناس، وينهض بأعباء الحروب وَالتدْبير وَنحو ذلك، فاتفقوا جَمِيعهم مَعَه
(1) غير ظاهرة القراءة.
(2) صالح البلقيني، ترجمة شيخ الإسلام البلقيني لوحة 2 ب، ومحمد السخاوي، الضوء اللامع (4/ 108) .
(3) السلوك (5/ 128) ، ومحمد الحنفي، بدائع الزهور (1/ 296) ، وعمر بن فهد، إتحاف الورى (3/ 338) .