على خلع الملك الصَّالح حاجي، وبعثوا في الْحال بالأمير قطلوبغا الكوكاي - أَمِير سلَاح - والأمير ألطُنبُغا المعلم - رأس نوبَة - فقبضا على الملك الصَّالح من القصر، وأدخلاه إلَى دور الْحرم، وأخذا مِنْهُ نمجاة الملك وعادا بها، فانقضت دولة الأتراك من مصر، وزالت دولة بني قلاون، وخطب الْخليفَة المتوكل على الله أبو عبد الله مُحمَّد الْخطبة على العَادة، وَبَايع الْأمِير الكَبير الأتابك على السلطنة، وقلده أمر العباد والبلاد، فأفيض في الْحال على السلْطان تشريف الْخلَافة، وأفيض على الْخليفَة التشريف على العادة، وَأشَارَ شيخ الِإسْلَام سراج الدّين عمر البلْقِينِيّ أن يلقب السلْطان بالملكِ الظاهِر، وَقالَ: هَذَا وَقت الظهْر، وَالظّهْر مَأخُوذ من الظهيرة والظهور، وَقد ظهر هَذَا الْأمر بعد أن كَانَ خافيا، فتلقب بالملكِ الظاهِر، وَركب من الحراقة بالإصطبل، وطلع من باب السرّ إلَى القصر، وعندما ركب أمْطرت السَّمَاء، فتفاءل النَّاس بذلك، وَلما دخل إلَى القصر جلس على التخت، فكَانَ طالع جُلوسه برج الْحوت، وَنودِيَ بالقَاهِرةِ ومصر الدعاء للسلْطان الملك الظاهِر، وكتب إلَى أعمال المملكة بذلك، وَأن يحلف النواب والأمراء للسلْطان على العَادة، فسارت البرد بذلك، ودقت البشائر بقلعة الْجَبل عِنْد تَمام البيعَة، وزينت القَاهِرة ومصر وَعَامة مَدَائن مصر وَالشَّام، وَفي يوْم الاثنيْنِ رابع عشرينه: قرئَ عهد الْخليفَة للسلْطان على الْأمَرَاء بِحضْرة الْخليفَة، والقضاة، وأعيان الدولة (1) .
وفي نصف ذي القعدة سنة (787 ه) ولد أول مولود للجلال البلقيني، وأسماه محمدا، وتفقه على يديه وجده وغيرهم، واتصف بحسن السياسة والمباشرة لما تحت يده من الأوقاف، وحمدت سيرته وأثني عليه بالدين والعفة وإن كان قليل البراعة في العلم، استخلف الجلال في كثير من المناصب، وتزايد ركونه لهُ لما يعرفهُ من مَعْرفته، وحزمه، وسياسته، وكان يلقب بتاج الدين وَالد البدْر أبي السعادات مُحمَّد وَإِخْوَته (2) .
وفي نفس هذه السنة (787 ه) قصد بيت الله الحرام حاجا للمرة الثانية حجة الإسلام، واغتنم فضل ماء زمزم، فشربه بنية التضلع باللغة العربية وفهمها، وهو قاصر النظر لم يكن له بها اشتغال، فلما عاد أدمن النظر في نصوصها، فاستجيب طلبه، ومهر في مدة يسيرة، وتفجرت له ينابيع الحكم، وفاضت عليه الأنوار، وبرع في العلوم، ورحل الناس إليه من سائر الأقطار،
(1) المقريزي، السلوك (5/ 141) .
(2) محمد السخاوي، الضوء اللامع (7/ 294) ، وعبد الرحمن السيوطي، نظم العقيان ص (151) .