وَالفُقَهَاء وجِيء بابن سبع من السجْن وَقد شُهد عَليْهِ بأشْيَاء شَنعة وتحدث الناس أنه غرم في خلاصه في أيام برقوق أربع مئة ألف درهم فضلا على أنه يقع في أشياء لا ينبغي سماعها، فضلا عن التلفظ بها، وحصل لغالب الناس بسبب ذلك شدة عظيمة، وأراد أخصامه إراقة دَمه عند القُضَاة المَالكية، فكثر سَعْيه بالمَالِ، حَتَّى فوض أمره للقضاة الشَّافعية عناية به؛ ليحكم بحقن دمه، ومعه شيخ الاسلام سراج الدين البلقيني، وولديه الجلال والبدر قائمين مساعدين له، ثمَّ أعِيد إلَى السجْن (1) ؛ ليعيد الأمير الكبير يلبغا الناصري استدعاء السادة القضاة الأربعة، وأعيان الفقهاء إلى منزله بالإصطبل السلطاني يوم الخميس السادس رجب، فاجتمع عنده القضاة الأربعة وشيخ الإسلام البلقيني، وولديه، وغيرهم من أعيان القضاء، فسألهم عن قضية ابن سبع وما وجب عليه، فتكلموا بما علموا، وخلاصة الأمر أن قاضِي الْقُضَاة أبو زيد بن خلدون قال للأمير الكَبير: يا أمِير، أنت صَاحب الشَّوكَة، وحُكمك ماضٍ في الْأمة، وَمهما حكمت بهِ نفذ، فحكم الْأمِير الكَبير بحقن دَمه وإطلاقه، فأفرج عَنهُ، ولم يعْهَد قطّ أن أحدا من أمَراء الترك ولَا مُلوكهمْ حكم في شَيْء من الْأمُور التِي من عَادَة القُضَاة الحكم فيهَا، إلَّا أن قضِية ابن سبع هَذَا كَانت قد شَنعت وَطالَ أمرهَا، وكثر التعصب فيهَا، فقوم يريدُونَ قتله، وَقوم يريدُونَ إطلَاقه، وجبن القُضَاة عَن إمْضَاء شَيْء من ذلك حَتَّى عمل مَا ذكر، وهي من غَريب مَا وَقع (2) .
وفي السابع والعشرين من شعبان من سنة (791 ه) توفي أخوه بدر الدين محمد بن عمر، وَكانَ حسن الذَّات، مليح الصفَات، حكى جماعَة من رفقته جملة من محاسنه ومكارمه، وَأما جودة ذهنه فأمر قد شاع وذاع، وكَانَ يكثر البحْث مَعَ وَالده ويعارضه، وَكانَ وَالده يسر بذلك كثيرا، وَقد ذكر لهُ الأديب زين الدَّين طاهِر بن حبيب ترجَمة حَسَنة، وَقالَ: كَانَ كلفا بالجود لَا متكلفا، مطبوعا على مَكَارم الْأخْلَاق لَا متطبعا، وَأخذ الفِقْه عَن وَالده شيخ الِإسْلَام وتبحر فيهِ إلَى أن رَوَت عَنهُ أفواه المحابر وَألسنة الأقلام، وشارك أهل العلوم فكَانَ لهُ مِنْهُم أوفى نصيب، وجامل أرباب الفُنون فظهر لَهم بكُل معنى غَريب، ثمَّ دون العلم الشريف وكرس، وباشر الوَظائف الجليلة وَأفتى ودرس، وَتوَلَّى قضَاء العساكر بالديار المصرية، وَاسْتمرّ إلَى أن تطاولت إليْهِ يد القَضَاء القسرية، ومات بعلة الاستسقاء، ودفن بمدرسة والده التي أنشأها بقرب جامع الحاكم، وتألم والده عليه كثيرا، وتوفي عن نيف وثلاثين، وولي وظائفه من قضَاء العَسْكَر
(1) تاريخ ابن الفرات ص (110) ، والمقريزي، السلوك (5/ 241) .
(2) تاريخ ابن الفرات ص (112) ، والمقريزي، السلوك (5/ 242 - 289) .