فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 515

وَاجْتمعت الطلبة للاشتغال عَليْهِ بكرة وعشيا، وحج في سنة أربعينَ مَعَ وَالده، وَاجْتمعَ بالشيخ صَلَاح الدَّين العلائي بالقدس، ثمَّ حج في سنة تسع وَأربعين، ثمَّ صاهر ابن عقيل في سنة اثنتيْنِ وخمسين، وناب عَنهُ لما ولي القَضَاء تلْكَ المدَّة اليسِيرة، وَولي تدريس الزاوية بعد وَفاة ابن عقيل، وكَانَ قبل ذَلك قد ولي تدريس الحجازية، فإن واقفتها عمرتها لأجله، ثمَّ ولي قضَاء الشَّام سنة سبع وَسِتينَ، فباشره مُدَّة يسيرة ثمَّ استعفى وَعاد إلَى القَاهِرة، وَولي تدريس الملكية بعد وَفاة الِإسْنويّ، وتدريس جَامع طولون بعد وَفاة ابني السبكيّ، وَقضَاء العَسْكَر بعد ابن السبْكِيّ، وكَانَ قد ولي قبل سَفَره إلَى الشَّام إفتاء دَار العدْل في سنة خمس وَسِتينَ رفيقًا لبهاء الدَّين السبْكِيّ، وَهُوَ أول شَيْء وليه من المناصب، وَولي تدريس الألجهية من واقفها، وَولي تدريس الشَّافعي - رضِي الله عَنهُ - بعد عزل ابن جماعَة، فلمَّا عاد ابن جماعَة عوضه تدريس الفِقْه بِجامِع طولون، ودرس بالظاهرية البرقوقية، وَولي درس التفْسِير ومشيخة الميعاد بها، ثمَّ نزل عَن بعض وظائفه لوَلدَيهِ، وَاسْتمرّ بيدِهِ الزاوية والظاهرية إلَى حِين وَفاته، أقامَ مدرسا بالزاوية سِتة وَثلَاثينَ سنة يقرر فيهَا مَذْهَب الشَّافعي على أعظم وجه وأكمله، وَظهر لهُ الأتباع وَالْأصْحَاب، وَصَارَ هُوَ الِإمَام المشَار إليْهِ والمعول في الإشكالات والفتاوى عَليْهِ، وأتته الفتاوي من الأقطار البعيدَة، ورحل الناس من الأقطار النائية للْقِراءة عَليْهِ، وخضع لهُ كل من ينْسب إلَى علم من العُلوم الشَّرعِية وَغَيرهَا، وخرج لهُ الْحَافظ ابن حجر أربعِينَ حَدِيثا عَن أربعينَ شَيخا، وخرج لهُ الْحَافظ ولي الدَّين ابن العراقيّ مائة حَدِيث من عواليه وأبداله، وَقد أثنى عَليْهِ علمَاء عصره طبقَة بعد طبقَة من قبل الْخمسين إلَى حِين وَفاته، وكَانَ الشَّيْخ شمس الدَّين الْأصْفَهَاني كثير التعْظِيم لهُ، وَأجَازهُ الشَّيْخ أبُو حَيان، وكتب لَهُ في إجَازته مَا لم يكْتب لأحد قبله، وسنه إذْ ذَاك دون العشْرين، وكَانَ القَاضِي عز الدَّين ابن جماعَة يعظمه ويبالغ في تعْظِيمه جدا، وكتب لهُ ابن عقيل على بعض تصانيفه: أحَق الناس بالفتوى في زمَانه، وَقالَ لهُ أيضا: لم لَا تكْتب على سِيبوَيهٍ شرحا؛ هَذَا مَعَ اتفَاق الناس في ذَلك الزمَان على أن ابن عقيل هُوَ المرجوع إليْهِ في علم النحْو، وَقد ختم القُرآن العَظِيم بمعياده، وأتى فيهِ من الوَعْظ مَا يكون إن شَاءَ الله تعَالَى شَيْئا لإسعاده، وكَانَ من العلوم بِحيْثُ يقْضى لهُ في كل علم بالْجمعِ، وكَانَ كثير الصَّدَقة، طارحا للتكلف، قائما في الْحق، ناصرا للسّنة، قامعا لأهل البدْعَة، مُبْطلًا للمكوس والمظالم، مُعظما عِنْد المُلوك، أبطل في دولة الْأشْرف مكس الملاهي، وأبطل في دولة المَنْصُور مكس القراريط، وكَانَ مكس القراريط كثير البشاعة جدا، وَعرض عَليْهِ الملك المَنْصُور أيام طشمتر قضَاء الديار المصرية فامْتنعَ غَاية الِامْتناع، وعول الناس عَليْهِ في الِإفتاء، فكَانَ يتصَدَّى لذَلك من بعد صَلَاة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت