فهرس الكتاب
القضاة جلال الدين البلقيني، وعمل له إجلاسًا في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 18] ، واستمر بعد ذلك يدرس من هذا الموضع.
وما منهم إلّا من يحضر معه، ويلبسه ما يليق به من الملابس الفاخرة، وقرر عند كلّ من المدرسين الستة طائفة من الطلبة، وأجرى لكل واحد ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، وثلاثين درهما فلوسا في كل شهر، وجعل لكل مدرّس ثلاثمائة درهم في كل شهر، ورتب بها إماما وقومة ومؤذنين وفراشين ومباشرين، وأكثر من وقف الدور عليها، وجعل فائض وقفها مصروفا لذريته، فجاءت في أحسن هندام، وأتم قالب، وأفخر زيّ، وأبدع نظام، إلّا أنها وما فيها من الآلات وما وقف عليها أخذ من الناس غصبا، وعمل فيها الصناع بأبخس أجرة مع العسف الشديد (1) .
وفي يوم الأحد الثاني عشر من ذي الحجة سنة (811 هـ) فرغ من تأليف كتابه الإفهام لما في البخاري من الإبهام، وسبب تأليفه أنه لما صَار يحضر لسَمَاع البخَاريّ في القلعة، كَانَ يدمن مطالعة شَرحه للسراج بن الملقن، وَيُحب الِاطلَاع على معرفة أسماء من أبهم في الْجَامِع الصَّحِيح من الروَاة، وَمَا جرى ذكره في الصَّحِيح، فحصل من ذلك شَيْئا كثيرا بإدمان المطالعة والمراجعة، خُصُوصا أوْقات اجتماعه بابن حجر، ومذاكراته لهُ، وكان كثير الإرسال لابن حجر، يلتمس منه الجواب عما يستشكله في هذا الفن، خصوصا وإنما معوله على الفتح كما شهد به الحافظ البرهان الحلبي، وليس يلحقه نقص من ذلك بل هو غاية في الكمال، وقد وقف السخاوي على جملة من تلك الرسائل بينهما، وأثبتها في كتابه الجواهر والدرر، جمع الجلال كتابه هذا، وَذكر فيهِ فصلا يختص بما استفاده من مطالعته زائدا على مَا حصله من الكتب المصنفة في المبهمات والشروح، فكَانَ شَيْئا كثيرا، وكَانَ يتأسف على مَا فاتهُ من الِاشْتغال في الحدِيث، ويرغب في الازدياد مِنْهُ، مع حبه لفنون الحدِيث محبة مفرطة، وقال في نهايته: كان الابتداء في تسويده في العشر الآخر من شهر رمضان المعظم قدرة وحرمة سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وكان الفراغ من مبيضه في يوم الأحد الثاني عشر من ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة (2) .
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (2/ 399) ، والمقريزي، السلوك (6/ 212) ، والمواعظ والاعتبار (4/ 261) .
(2) عبد الرحمن البلقيني، الإفهام لما في البخاري من الإبهام، لوحة 170 ب، ومحمد صديق خان القنوجي، الحطة في ذكر الصحاح الستة ص 196، ومحمد بن جعفر الكتاني، الرسالة المستطرفة ص 124، ومحمد السخاوي، الضوء اللامع (4/ 109) ، وأحمد بن حجر، رفع الإصر ص 228، ومحمد السخاوي، الجواهر والدرر (1/ 341) .