فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 515

قلوب رعيتك، ويعودون لطاعتك، فإذا صار معك منهم ألف مملوك، قهرت بهم جميع أعدائك؛ لما شاع من إقدامك وشجاعتك، ولعظم ما في قلب أعدائك من الرعب منك،

وأيضا فإنّ هؤلاء الأمراء العصاة قد كثروا إلى الغاية، فالبلاد الشّامية لا تقوم بأمرهم، فإمّا أن يقع بينهم الخلف على البلاد فيفترقوا، وإمّا أن يتفقوا ويجتمعوا على قتالك ويأتوك إلى مصر، فاخرج إليهم والقهم برأس الرمل، فإن انتصرت عليهم فافعل ما بدا لك، وإن كانت الأخرى فاخرج إلى البلاد؛ فمن قرا يوسف صاحب العراق إلى والي قطيا في طاعتك، فما عندي غير هذا، فاستحسن جميع عسكره هذا الرأي إلّا هو؛ فإنه لم يعجبه، وسكت طويلا، ثمّ رفع رأسه وقال: يا أطا، أنا قتلت هذه الخلائق لتعظم حرمتي، فإذا رجعت من هنا أيش يبقى لي حرمة، وأنا أعرف بحال هؤلاء من غيري، والله ما صفتهم قدّامي إلّا كالصّيد المجروح، والله إذا بقي معي عشرة مماليك قاتلتُهم بهم، ولا أطلب إلّا أن يثبتوا ويقفوا، ويقاتلوني حتى أنتصف منهم، فقال له نائبه: اعلم أنّهم الآن يقاتلونك.

فكان ماكان، وانكسر السلطان مهزوما، ونزل بالقلعة، واستدعى القضاة، والأعيان، ووعدهم بكل خير، وحثهم على نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ في تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره شيئًا بعد شيء في العاشر من محرم، ثم أحضر السلطان الأموال وصبها، وأتاه الناس من كل فج من التركمان والعربان والعشير وغيرهم، فكتب أسماءهم، وأنفق عليهم، وقواهم بالسلاح، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه، فكان عدة من استخدمه من المشاة زيادةً على ألف رجل، وحصن القلعة بالمناجيق والمدافع الكبار، وأتقن تحصين القلعة بحيث إنه لم يبق سبيل للتوصل إليها بوجه من الوجوه، وأمر القضاة أن يركبوا مع القاضي جلال الدين البلقيني، وكان قد تقدم قبل الوقعة إلى دمشق، وينادي بأن الناصر قد أبطل المكوس، وأزال المظالم، ويطلب منهم الدعاء، فتعصب له عوام الشام، فلما كان في الثامن عشر من المحرم، نزل الأمراء قبة يلبغا، فندب الناصر لهم عسكرًا، فخرج لهم سودون الجلب، وسودون المحمدي، فهزموهم، ثم ارتحلوا فنزلوا غربي البلدة، ووقفوا من جهة القلعة فتراموا بالنشاب، ثم نزل نوروز بدار الطعم، وشيخ بدار غرس الدين الأستادار، وضم معه الخليفة، وكاتب السر، والقضاة، ونزل بكتمر جلق وقرقماش، فمنعوا الميرة عن الناصر، وقطعوا نهري دمشق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت