فهرس الكتاب
فتعطلت الحمامات، وغلقت الأسواق، وعظم الأمر، واشتد القتال، وكثرت الجراحات (1) .
وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم، أشهر غلبة الخليفة بخلع الناصر من الملك؛ لما ثبت عليه من الكفريات، والانحلال، والزندقة، وحكم ناصر الدين بن العديم بسفك دمه، واستقر في السلطنة الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس بن المتوكل العباسي، ولم يغير لقبه، وبايعه الأمراء ومن حضره، وكان رأي الأمراء قد اجتمع على ذلك، فلم يوافقهم الخليفة إلا بعد شدة وتوثق منهم بالأيمان، فاشتد امتناعه، وخاف ألا يتم له ذلك فيهلك، وصمم على الامتناع، وخاف من الملك الناصر خوفًا شديدًا، فلما عجز عنه الأمراء دبروا عليه حيلةً، وطلبوا الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - وهو أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمن مثالب الملك الناصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من الملك، وعزله من السلطنة، ولا يحل لأحد معاونته ولا مساعدته، فلما بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين بن مبارك شاه على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك الناصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن، فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له بالأيمان المغلظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته، وأما الملك الناصر، فإنه لما تسلطن الخليفة، وخلع هو من الملك، نفر الناس عنه، وصاروا حزبين: حزبًا يرى أن مخالفة الخليفة كفر، والناصر قد عزل من الملك، فمن قاتل معه فقد عصى الله ورسوله، وحزبًا يرى أن القتال مع الملك الناصر واجب، وأنه باق على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن طاعته، ومن حينئذ أخذ أمر الملك الناصر في إدبار، وكتب أمِير المُؤمنينَ إلَى أمَراء مصر باجتماع الكَلمَة على إقامَته، وَأنه خلع الناصِر، وَقد أبطل المكوس والمظالم، وَبعث بذلك على يد الْأمِير كزل العجمي (2) .
وفي يوم الاثنين السابع والعشرين محرم، عزل الخليفة المستعين بالله الجلال عن منصب القضاء، وأقر عوضه برهان الدين الباعوني بالقاهرة، بحكم تخلفه في دمشق لنصرة الملك الناصر المخلوع، وقد هجا الباعوني بعض الشعراء تعصبا للجلال:
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (2/ 506) ، ويوسف بن تغري بردي، النجوم (13/ 144) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 317) ، ويوسف بن تغري بردي، المنهل الصافي (7/ 62) .
(2) عبد الرحمن السيوطي، حسن المحاضرة (2/ 85) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 319) .