فهرس الكتاب
ثمَّ اشْترط أن يؤذن لهُ في النزول من القلعة إلَى دَاره وَأن يخلص لهُ السلْطان بأنهُ يناصحه سرا وجهرًا وَيكون سلما لمن سالمه، حَربا لمن حاربه، فعَاد القُضَاة إلَى السلْطان، وردوا الْخبَر عَليْهِ، وحسنوا عبارة الرد؛ فأجَاب: ليمهل علينا أيامًا فإن الْآن لَا يُمكن نزوله إلَى بيته، فنزلوا إلَى دُورهمْ وكَانت مُدَّ ة إقامَة الْخليفَة حَاكما - مُنْذُ جلسته خَارج دمشق إلَى هَذَا اليوْم - سَبْعَة أشهر وخَمسَة أيام (1) .
في هذه الأيام فوض السلطان شيخ محمودي نظر وقف دار ابن رجب للجلال البلقيني، وقضيتها؛ أن هذه الدار من جملة أراضي البستان، كان إصطبلا للأمير علاء الدين عليّ بن كلفت التركمانيّ شادّ الدواوين، فيما بين داره ودار الأمير تنكز نائب الشام، فلما استقر ناصر الدين محمد بن رجب في الوزارة، أنشأ هذا الإصطبل مقعدا صار يجلس فيه، وقصرا كبيرا، واستولى من بعده على ذلك كله أولاده، فلما عمر الأمير جمال الدين يوسف الأستادار مدرسته بخط رحبة باب العيد، أخذ هذا القصر والإصطبل في جملة ما أخذ من أملاك الناس وأوقافهم، فلما قتله الملك الناصر فرج، واستولى على جميع ما خلفه، أفرد هذا القصر والإصطبل فيما أفرده للمدرسة المذكورة، فلم يزل من جملة أوقافها إلى أن قتل الملك الناصر فرج، وقدم الأمير شيخ نائب الشام إلى مصر، فلما جلس على تخت الملك وتلقب بالملك المؤيد في غرة شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، وقف إليه من بقي من أولاد علاء الدين عليّ بن كلفت، وهما امرأتان، كانت إحداهما تحت الملك المؤيد قبل أن يلي نيابة طرابلس، وهو من جملة أمراء مصر في أيام الملك الظاهر برقوق، وذكرتا أن الأمير جمال الدين الأستادار أخذ وقف أبيهما بغير حق، وأخرجتا كتاب وقف أبيهما، ففوّض أمر ذلك لقاضي القضاة جلال الدين البلقينيّ الشافعيّ، فلم يجد بيد أولاد جمال الدين مستندا، فقضى بهذا المكان لورثة ابن كلفت، وبقائه على ما وقفه حسبما تضمنه كتاب وقفه، فتسلم مستحقوا وقف ابن كلفت القصر والإصطبل (2) .
وفي السادس عشر ذي الحجة سنة (816 هـ) لما عزم السلطان شيخ إلى الشام، خشي من غائلة الخليفة المستعين، وأراد خلعه، فراجع الجلال البلقيني في ذلك، وكان في نفسه من المستعين شيئا لكونه عزله بالباعوني، فاستدعى السلْطان دَاوُد بن المتوكل على الله أخو المستعين بالله من دَاره
(1) ابن تغري بردي، النجوم (13/ 206) ، والمنهل (6/ 287) ، (14/ 3) ، والمقريزي، السلوك (6/ 339) .
(2) تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار (3/ 137) .