فهرس الكتاب
فحَضَرَ بين يدَيهِ بقلعة الْجبل، وَقد حضر قضَاة القُضَاة الْأربع، فعند ما رآهُ قامَ لهُ وَقد ألبسهُ خلعة سَوْدَاء، وَأجْلسهُ بجانبه بينه وَبين قاضِي القُضَاة شيخ الِإسْلَام جلال الدّين بن البلْقِينِيّ، فدَعَا القُضَاة وَانصَرفوا على أن دَاوُد بن المتَوكل على الله اسْتقر في الْخلَافة، ولم يقع خلع الْخليفَة المستعين بالله تعَالَى، ولَا أقيمَت بينة بما يوجب شغور الْخلَافة عَنهُ، ولَا بويعَ دَاوُد هَذَا، بل خلع عَليْهِ فقَط، ولقب بأبي الفَتْح المعتضد بالله أمِير المُؤمنينَ، وسير المستعين إلى الإسكندرية، فأقام بها إلى أن مات شهيدًا بالطاعون، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين (1) .
استهلت سنة (817 هـ) وقد صمم السلطان المؤيد شيخ المحمودي على السفر إلى الشام لقتال نوروز، وَالشَّام كُلها بيده، يقِيم الخطة، وَيضْرب السكَّة باسم أمِير المُؤمنينَ المستعين بالله، وَهُوَ مُقيم في دَاره بقلعة الْجبل وَقد منع من التصَرف، فخرج السلطان في رابع محرم من القلعة إلى الريدانية في قليل من العسكر، وفي يوْم السبت تاسعه اسْتقل السلْطان بالمَسِيِر من طرف الريدانية يريد محاربة الْأمِير نوروز، وَمَعهُ الْخليفَة المعتضد بالله دَاوُد، وقضاة القُضَاة الْأربع، وأرباب الدولة، وسار حتى نزل بغزة في يوم الثلاثاء تاسع عشر المحرم، وأقام بها أياما إلى أن رحل منها في تاسع عشرينه، حتى نزل على قبة يلبغا خارج دمشق في يوم الأحد ثامن صفر، ولم يخرج نوروز لقتاله، فحمد الله - المؤيد - على ذلك، وعلم ضعف أمره؛ فإنه لو كان فيه قوة كان التقاه من أثناء طريقه، غير أن نوروز حصّن مدينة دمشق وقلعتها وتهيأ لقتاله، فأقام السلطان بقبة يلبغا أياما، ثم رحل منها ونزل بطرف القبيبات، وكان السلطان في طول طريقه إلى دمشق يطلب موقعي أكابر أمرائه خفية، ويأمرهم أن يكتبوا على لسان مخاديمهم إلى نوروز أننا بأجمعنا معك، وغرضنا كله عندك، ويكثر من الوقيعة في الملك المؤيد، ثم يقول في الكتاب: وإنّك لا تخرج من دمشق، وأقم مكانك فإننا جميعا نفرّ من المؤيد، ونأتيك، ثم يضع من نفسه ويرفع أمر نوروز ويعد محاسنه ويذكر مساوئ نفسه، فمشى ذلك على نوروز وانخدع له، مع ما كان حسّن له أيضا بعض أصحابه في عدم الخروج والقتال، أرادوا بذلك ضجر الملك المؤيد، وعوده إلى الديار المصرية بغير طائل، حتى يستفحل أمرهم بعوده، فكان مراد الله غير ما أرادوا، ثم أرسل السلطان الملك المؤيد قاضي القضاة مجد الدين سالم الحنبلي إلى الأمير نوروز في طلب الصّلح،
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 15) ، والسيوطي، حسن المحاضرة (2/ 89) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 335) ، وابن تغري بردي، المنهل الصافي (5/ 302) ، (7/ 62) ، ومحمد بن أحمد الحنفي، بدائع الزهور (2/ 11) .