فهرس الكتاب
فامتنع نوروز من ذلك وأبى إلّا الحرب والقتال، وكان ذلك أيضا خديعة من الملك المؤيد، وعند ما نزل الملك المؤيد بطرف القبيبات، خرج إليه عساكر نوروز، فندب إليهم السلطان جماعة كبيرة من عسكره فخرجوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا، فانكسر عسكر نوروز، وعاد إلى دمشق فركب نوروز في الحال، وطلع إلى قلعة دمشق وامتنع بها، فركب الملك المؤيد في سادس عشرينه، ونزل بالميدان يحاصر قلعة دمشق، ولما قيل للمؤيد: إن نوروز طلع إلى قلعة دمشق، لم يحمل الناقل له على الصّدق، وأرسل من يثق به، فعاد عليه الخبر بطلوعه إليها، فعند ذلك تعجّب غاية العجب فسأله بعض خواصّه عن ذلك فقال: ما كنت أظن أن نوروز يطلع القلعة وينحصر فيها أبدا؛ لما سمعته منه لمّا دخل الملك الناصر إلى قلعة دمشق، وهو أنه لمّا بلغنا أن الناصر دخل إلى قلعة دمشق، قال نوروز: ظفرنا به وعزة الله، فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الشخص لا يدخل القلعة ويمتنع بها إلا إذا كان خلفه نجدة، أو أخصامه لا يمكنهم محاصرته إلا مدّة يسيرة ثم يرحلون عنه، وهذا ليس له نجدة، ونحن لو أقمنا على حصاره سنين لا نذهب إلا به فهو مأخوذ لا محالة فبقى هذا الكلام في ذهني، وتحققت أنه متى حصل له خلل توجّه إلى بلاد التركمان، ويتعبني أمره؛ لعلمي به أنه لا يدخل إلى القلعة - بعد ما سمعت منه ذلك - أبدا، فأتاه ما قاله في حقّ الناصر، وحسن بباله الامتناع بالقلعة حتى طلعها، فلهذا تعجّبت، وأخذ المؤيد في محاصرته، واستدام الحرب بينهم أياما كثيرة في كل يوم حتى قتل من الطائفتين خلائق، فلمّا طال الأمر في القتال أخذ أمر الأمير نوروز في إدبار، وصار أمر الملك المؤيد في استظهار، فلمّا وقع ذلك وطال القتال على النوروزية، سئموا من القتال، وشرعوا يسمعون نوروز الكلام الخشن، وهدمت المؤيدية طارمة دمشق، كلّ ذلك والقتال عمّال في كل يوم ليلا ونهارا، والرمى مستدام من القلعة بالمناجيق ومكاحل النفط، وطال الأمر على الأمير نوروز حتى أرسل الأمير قمش إلى الملك المؤيد في طلب الصّلح، وتردّدت الرسل بينهم غير مرة، حتى انبرم الصّلح بينهم بعد أن حلف الملك المؤيد لنوروز بالأيمان المغلظة، وكان الذي تولى تحليف الملك المؤيد كاتب سره القاضي ناصر الدين محمد بن البار زي، قال كاتب السر: لمّا أخذت في تحليف الملك المؤيد بحضرة رسل الأمير نوروز والقضاة قد حضروا أيضا، فشرعت ألحن في اليمين عامدا في عدّة كلمات حتى خرج معنى اليمين عن مقصود نوروز، فالتفت القاضي ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي - وكان فيه خفّة - وقال للقاضي الشافعي الجلال البلقيني: كأنّ القاضي ناصر الدين بن البار زي ليس له ممارسة بالعربية والنحو، فإنه يلحن لحنا فاحشا، فسكّته البلقيني لوقته، ثم عادت رسل نوروز إليه بصورة الحلف، فقرأه عليه بعض من عنده من الفقهاء من تلك المقولة.