فهرس الكتاب
وعرفه أن هذا اليمين ما بعده شيء، فاطمأنّ لذلك، ونزل من قلعة دمشق بمن معه من الأمراء والأعيان في يوم حادي عشرين ربيع الآخر بعدما قاتل الملك المؤيد نحوا من خمسة وعشرين يوما أو أزيد، ومشى حتّى دخل على الملك المؤيد، فلما رآه المؤيد قام له، فعند ذلك قبل نوروز الأرض وأراد أن يقبل يده، فمنعه الملك المؤيد من ذلك، وقعد الأمير نوروز بإزائه، وتحته أصحابه من الأمراء، وهم: الأمير يشبك بن أزدمر، وطوخ، وقمش، وبرسبغا، وإينال الرجبي وغيرهم، والمجلس مشحون بالقضاة، والفقهاء، والعساكر السلطانية، فقال القضاة: والله هذا يوم مبارك بالصّلح وبحقن الدّماء بين المسلمين، فقال القاضي ناصر الدين بن البار زي كاتب السّرّ: نهار مبارك لو تمّ ذلك، فقال الملك المؤيد: وكيف لا يتمّ وقد حلفنا له وحلف لنا؟ فقال القاضي ناصر الدين للقضاة: يا قضاة، هل صحّ يمين السلطان؟ فقال قاضي القضاة جلال الدين البلقيني: لا والله لم يصادف غرض المحلف، فعند ذلك أمر الملك المؤيد بالقبض على الأمير نوروز ورفقته، فقبض في الحال على الجميع، وقيدوا وسجنوا بمكان من الإصطبل إلى أن قتل الأمير نوروز من ليلته، وحملت رأسه إلى الديار المصرية على يد الأمير جرباش، فوصلت القاهرة في يوم الخميس مستهلّ جمادى الأولى، وعلقت على باب زويلة، ودقت البشائر، وزينت القاهرة لذلك، وعاد السلطان في يوم الخميس أول شهر رمضان، وسار إلى القلعة حتى طلع إليها، فكان لقدومه القاهرة يوما مشهودا، ودقت البشائر لوصوله (1) .
وفي صفر سنة (818 هـ) كثر ضرب الدراهم المؤيدية، ثم استدعى المؤيد القضاة، والأمراء وتشاوروا في ذلك، وأراد المؤيد إبطال الذهب الناصري، وإعادته إلى الهرجة، فقال له البلقيني: في هذا إتلاف شيء كثير من المال، فلم يعجبه ذلك، وصمم على إفساد الناصرية، وأمر يشبك ما هو حاصل عنده وضربه هرجة، وأمر القضاة وغيرهم أن يدبروا رأيهم في تسعير الفضة المضروبة فاتفقوا على أن يكون كل درهم صغير بتسعة دراهم، وكل درهم كبير بثمانية عشر، على أن يكون وزن الصغير سبعة قراريط فضة خالصة، ووزن الكبير أربعة عشر قيراطًا، واستمر ذلك، وكثرت بأيدي الناس وانتفعوا بها، ونودي على البندقية: كل وزن درهم بخمسة عشر (2) .
(1) يوسف بن تغري بردي، النجوم (14/ 20 - 21) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 361) ، وأحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 35) .
(2) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 54) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 380) .