فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 515

وَفي السابع والعشرين من شهر صفر، أنكر السلْطان على القُضَاة الْأربع كَثرة نوابهم في الحكم بالقَاهِرةِ ومصر، وكَانوا قد تجاوزوا مِائتي قاض، فعزلوا نوابهم، ثمَّ أذن قاضِي القُضَاة ناصِر الدّين مُحمَّد بن العديم في الحكم لسِتة من نوابه، وفي شهر ربيع الأول أوله الْجمُعَة أذن قاضِي القُضَاة جلال الدّين أبو الفضل عبد الرحْمن بن البلْقِينِيّ لأربعة عشر من نوابه في الحكم، وَشرط عَليْهِم شُروطا مِنْهَا: أن من أخذ مَالا رشوة فهُوَ مَعْزول (1) .

وفي الحادي والعشرين من ربيع الأول، قدم إلَى القَاهِرة الشَّيْخ شمس الدّين مُحمَّد بن عَطاء الله بن مُحمَّد بن مَحْمُود الرَّازيّ الْهرويّ، مدرس الصلاحية بالقدس، بعْدَمَا خرج الْأمِير ألطنبغا العثماني، فتلقاهُ وَصعد إلَى السلْطان بقلعة الْجبل، فاستأذنه أن يحضر إلى القاهرة فأذن له فحضر، فخرج إلى لقائه جماعة، وتعصب له كثير من مشايخ العجم، وشاع عنه أنه يحفظ اثني عشرة ألف حديث، وأنه يحفظ صحيح مسلم بأسانيده، ويحفظ متون البخاري، فاستعظم الناس ذلك، ودار القمني على الأمراء يلتمس أن يسألوا المؤيد أن يحضر الهروي ويعقد له مجلسا بالعلماء؛ ليظهر له أنه مزجي البضاعة في العلم، فلم يزل يسعى في ذلك إلى أن أجاب السلطان، وكان الهروي قد اجتمع به وأحضره المولد الخاص، وأرسل إلى القاضيين البلقيني وابن مغلي، فتكلموا بحضرته ولم يمعنوا في ذلك، وكان من جملة ما سأل الهروي عنه حينئذ: هل ورد النص على أن المغرب لا تقصر في السفر؟ فقال: نعم، جاء ذلك من حديث جابر في كتاب الفردوس لأبي الليث السمرقندي، فلما انفصلوا؛ روجع كتاب أبي الليث، فلم يوجد فيه ذلك، فقيل له في ذلك، فقال للسمرقندي بهذا الكتاب ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى، وهذا الحديث في الكبرى، ولم يدخل الكبرى هذا البلاد، فاستشعروا كذبه من يومئذ، وأنزله السلطان دارا حسنة بالقاهرة، ورتب له رواتب جليلة، وهاداه أهل الدولة فأكثروا من فاخر الثياب وغيرها، فلما كان يوم الخميس ثامن عشر شهر ربيع الآخر، أحضر المؤيد الهروي المذكور، وأمر القضاة الأربعة ومشايخ الفنون من العلماء بالحضور، وكان مجلسًا حافلًا بالمنظرة التي داخل الحوش السلطاني، فكان أول شيء سئل عنه الهروي: على من سمع منه صحيح البخاري؟، فاختلق في الحال إسنادا إلى أبي الوقت، زعم أن أباه حدثه عن شيخ يقال له أحمد بن عبد الكريم البوشنجي عاش مائة وعشرين سنة، عن آخر يقال له الهروي عاش أيضا مائة وعشرين سنة، عن أبي الوقت

(1) تقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 383) ، وأحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 56) ، ومحمد بن أحمد الحنفي، بدائع الزهور (2/ 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت