فهرس الكتاب
فقال له كاتبه: أولادنا يروون الصحيح إلى أبي الوقت بمثل هذا العدد برجال أشهر من هؤلاء، ثم قال بعض خواص السلطان: ينبغي أن يفتح السلطان المصحف، فأول شيء يخرج يقع الكلام فيه، فأحضر مصحف، فتناوله السلطان بيده، وفتحه فخرج قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [النحل: 61] ، فتكلموا في معاني {لَوْ} ، فبدر من الشيخ همام الدين الخوارزمي شيخ الخانقاه الجمالية، وكان قد حضر مع الهروي حمية له؛ لأنه كان يذكر أن الهروي قرأ عليه، وكان الهروي قد صاهره على ابنته، فتعصب الهمام للهروي على الجلال البلقيني، وكان غرضهم إذا أغضبوه يتغير مزاجه؛ لما عرفوا من سرعة انفعال الجلال وعدم صبره على الضيم، فتواصوا على أن يغضبوه، فكلمه الهمام بكلام أزعجه فقال: مثلك يقول لمثلي هذا! فقال: نعم، أنا أفضل منك، ومن كل شيء، فبدر كاتبه فقال له: يا شيخ! هذا الإطلاق كفر، فجحد أن يكون قال ذلك، وكان السلطان قد سمعه لأنه كان جالسًا إلى جانبه، فأظهر مع ذلك انزعاجًا على كاتبه لكونه خالفه، فقال: أنشد الله رجلا سمع ما سمعت إلا شهد به، فشهد تقي الدين الجيني وآخر، فقال: ما قصدت بهذا الإطلاق إلا الحاضرين، فقيل له: إذا سلم ذلك ففيه دعوى عريضة، وإساءة أدب، واشتد انزعاج البلقيني من ذلك حتى قال: ما أساء أحد علي الأدب منذ بلغت الحلم مثل اليوم، وصار لا ينتفع بنفسه بقية ذلك اليوم، فتم لهم ما أبرموه، إلا أنهم خذلوا بهذا السقطة، واستمرت المناظرات مع الهروي إلى أن انكشف أمره، وكذبه وهفوه، واستمر مقيما بالقاهرة إلى أن خرج صحبة ركاب السلطان إلى الشام، فقرره في نظر القدس والخليل زيادة على مشيخة الصلاحية (1) .
وفي شوال توفي حاجي بن عبد الله زين الدين الرومي، المعروف بحاجي فقيه، شيخ التربة الظاهرية خارج القاهرة، كان عريا من العلم إلا أن له اتصالًا بالترك كدأب غيره، فاستقر في مشيختها الشيخ شمس الدين البساطي بعناية الأمير ططر نائب الغيبة، وكان السبب في ذلك أن نائب الغيبة كان لا يحب القاضي جلال الدين البلقيني، فاتفق أن البلقيني أفتى فتيا فخالفه فيها كاتبه، والبساطي المذكور، فنم إليه بعض أهل الشر بذلك، فوقف على ما كتب وتغير منه، واحتشم مع كاتبه، وتقوى على جانب البساطي لضعفه إذ ذاك، فأرسل وأحضره فأسمعه ما يكره، وبالغ في إهانته، فخرج وهو يدعو عليه، فطاف على من له به معرفة يشكوه، فبلغ
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 57) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 384) .