فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 515

تصدى لمحاسبة مباشري أوقاف الْحرمَيْنِ وَغَيرهما بنفسِهِ، فضبط عَليْهِم ضبطًا زائدا، وخشي من تفريطهم فجعل مَا يتحَصَّل من المَال تَحت يده، وَصَارَ ينْفق مَا يحْتاج إليْهِ من مصارف الْحرمَيْنِ وَغَيرهما، ففَاضَ تَحت يده نحو سَبْعَة آلَاف دِينار، مِنْهَا لجهَة حرمي مَكَّة وَالمَدينة سِتة آلَاف دِينار، ولجهة الْجامِع الطولوني والمدرسة الأشرفية ألف دِينار، وَهَذَا شَيْء لم يقع لقاض قبله في الدولة التركية، فصعب على الهروي منعه من التصرف في ذلك، وظهر لمن اطلع على ذلك من حواشي السلطان أنه غير مؤتمن عند السلطان، وإنما أراد بولايته نكاية البلقيني، وقد بلغ به الحال أن دس الهروي إلى أحمد الحنبكي ورقة يذكر فيها أنه ثبت في جهة البلقيني لجهة الأوقاف والأيتام مائة ألف دينار، فعرضها أحمد على السلطان، وشنع على البلقيني، فاستعظم السلطان ذلك، وبحث عن القضية، إلى أن تحقق أنها من اختلاق الهروي، فأعرض عن ذلك (1) .

وفي أول شعبان، وجد السلطان في مجلسه ورقة فيها شعر وهو:

يا أيها الملك المؤيد دعوة ÷ من مخلص في حبه لك ينصح

انظر لحال الشافعية نظرة ÷ فالقاضيان كلاهما لا يصلح

هذا أقاربه عقارب وابنه ÷ وأخ وصهر فعلهم مستقبح

غطوا محاسنه بقبح صنيعهم ÷ ومتى دعاهم للهدى لا يفلح

وأخو هراةَ بسيرة اللنكِ اقتدى ÷ فله سهام في الجوارح تجرح

لا درسُه يقرى ولا أحكامه ÷ تدري ولا حين الخطابة يفصح

فافرج هموم المسلمين بثالث ÷ فعسى فساد منهمُ يستصلح

فعرضها السلطان على الجلساء من الفقهاء الذين يحضرون عنده، فلم يعرفوا كاتبها، وطارت الأبيات، فأما الهروي فلم ينزعج من ذلك، وأما البلقيني فقام وقعد، وأطال البحث والتنقيب عن ناظمها، فتقسمت الظنون، واتهم شعبان الأثاري، وكان مقيمًا بالقاهرة، وتقي الدين بن حجة، وشخص ينظم الشعر من جهة بهاء الدين المناوي أحد نواب الشافعي وغيرهم، وكانت هذه الأبيات ابتداء سقوط الهروي من عين السلطان، وكانت قد أعجبت السلطان حتى صار يحفظ أكثرها، ويكرر قوله: أقاربه عقارب (2) .

(1) يوسف بن تغري، النجوم (7/ 125) ، (14/ 66) ، والمنهل (7/ 197) ، ومحمد السخاوي، الضوء (4/ 108) ، وأحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 158، 159، 163) ، وتقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 467 - 468) .

(2) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 164) ، والسيوطي، حسن المحاضرة (2/ 172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت