فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 515

وَفي يوْم الثلاثاء سادس عشرين شعْبان سنة (821 هـ) جمع السلطان الْأمَراء، والخليفة، وقضاة القُضَاة، وَطلب شيخ الِإسْلَام جلال الدّين البلْقِينِيّ، فلما اجتمعوا سألهم عن البلقيني، وكان قد أمرهم بأن يحضر، فعرب بأنه لم يبلغ ذلك، فانزعج على بدر الدين العيني لكونه كان رسوله، واستمر ينتظره إلى أن حضر، فلما حضر عظمه، وقص عَليْهِم خبر قرا يوسف وَمَا حصل لأهل حلب من الْخوْف والفزع وجفلتهم - هم وَأهل حماة -، وَأن الْحمار بلغ ثمنه خَمسمِائة دِرهَم فضَّة، والأكديش إلَى خمسين دِينارا، وَأن قرا يوسف في عصمته أربعونَ امْرأة، وَأنه لا يدين بدين الِإسْلَام، وكتب صُورة فتْوى في المجْلس فيهَا كثير من قبائحه، وَأنه قد هجم على ثغور المُسلمين وَنحو هَذَا من الكَلَام، فكتب شيخ الِإسْلَام البلْقِينِيّ وقضاة القُضَاة بجواز قتاله، وكتب الْخليفَة خِطه بها أَيضا (1) ، وَانصَرفوا وَمَعَهُمْ الْأمِير مقبل الداودار، فنَادوا في الناس بالقَاِهرة بين يدي الْخليفَة وَشَيخ الْإسْلَام وقضاة القُضَاة الْأربع بأن قرا يوسف يسْتحل الدمَاء، وَيسْبي الْحَريم، وَيخرب الديار، فعَليْكُم بجهاده كلكُمْ بأموالكم وَأنفُسكُم، فدهى الناس عِنْد سماعهم هَذَا، وَاشْتدَّ قلقهم، وَكتب إلَى ممالك الشَّام أن ينادي بمثل ذلك في كل مَدِينة، وَأن السلْطان وَاصل إليْهِم بنفسِهِ وعساكره، وَكتب إلَى الوجْه القبلي بإحضار الْأمَراء، وَفيه بلغ مَاء النيل في زيَادَته عشر أصَابع من تسْعَة عشر ذِراعا، وَنقص في يوْمه إِصْبعَيْنِ بعْدَمَا نقص خمسا، وَذلكَ قبل أوان نَقصه، فارتفع سعر الغلال، وتخوف النَّاس الغلاء (2) .

تألم الجلال كثيرا من صرفه عن القضاء بالهروي، وَاشْتدَّ جزعه وَعظم مصابه، فَلمَّا كان في رمضان قرئ البخَاريّ بالقلعة على العادة، وساعده الناصري بن البارزيّ كَاتب السرّ، حَتَّى أذن لَهُ السلْطان المُؤَيد في الْحضُور مَعَ الْهرَويّ، فجَلسَ عَن يَمين الْهرَويّ بينه وَبين المَالكِي، وَصَارَ يبْدِي الفَوَائد الفِقْهِية والحديثية، ويجاريه العَلَاء بن المغلي الْحَنْبليّ، وَلا يبْدُو من الْهرَويّ مَا يعد فائدَة مَعَ كَلَامهمَا، ثمَّ صَار ابن المغلي يدرس قدر مَا يقْرأ في المجْلس من البخَاريّ ويسرده من حفظه، فحِينَئذٍ رتب الْجلَال أخَاهُ صالح في أسئلة يبديها مشكلة، ويحفظه أصْلهَا وجوابها، ويستشكلها، ويخص الْهرويّ بالسؤال عَنْهَا، فيضج الْهرَويّ من ذَلك، وَالمراد من هَذَ ا كُله إظهار قصوره، وَالسلْطان يشَاهد جَمِيع ذلك ويسمعه؛ لكَونه جَالسا بَينهم، وكان يحضر مع

(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 168 - 169) ، ويوسف بن تغري بردي، النجوم (14/ 68) .

(2) تقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 475) ، وأحمد بن إبراهميم العجمي، كنوز الذهب (2/ 123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت