فهرس الكتاب
البلقيني كثير من أقاربه ومحبيه، فصار يركب في موكب أعظم من الهروي، وتحامى كثير من النواب الركوب مع الهروي خوفًا من البلقيني، ومما يقاسونه من السب الصريح من أتباعه، فتقدم الهروي إلى النواب والموقعين بأن من لم يركب معه فهو ممنوع، فتحامى كثير من الناس النيابة عنه وأصر آخرون، فوقع لواحد منهم يقال له عز الدين محمد بن عبد السلام المنوفي بحث مع البلقيني، فسطا عليه، وسأل المالكي أن يحكم فيه، فاستدعى به إلى بيته وحكم بتعزيره، فعزر ومنع عن الحكم، ثم وقع لآخر منهم يقال له شهاب الدين السيرجي، فأرسل إليه البلقيني يطلبه إلى بيته، فامتنع منه واعتصم بالهروي، ثم حضر الختم فلم يحضر البلقيني، وخلع على الهروي وعلى بقية القضاة، فامتنع الديري من لبس خلعته؛ لكونها دون خلعة الهروي، فاسترضيَ فرضي، وفي أحد المرات؛ قال شعبان الموصلي يمدح الجلال ويهجو الهروي، واتفق مع ذلك زينة القاهرة لدوران المحمل، فتغالى في الزينة شخص يسمى الترجمان، وعلق على باب بيته حمارا بسرياقات على رؤوس الناس، بأحسن هيئة؛ وتردد الناس إلى الفرجة على الحمار المذكور أفواجا، فقال شعبان:
أقام الترجمان لسان حال ÷ عن الدنيا يقول لها جهارا
زمان فيه قد وضعوا جلالا ÷ عن العليا وقد رفعوا حمارا (1)
وفي هذه السنة رغب الجلال لأخيه صالح عَن درس التفْسِير والميعاد بالبرقوقية والظاهرية، فعمل فيهَا إذْ ذَاك إجلاسا حافلا، ارتفع ذكره بهِ (2) .
وفي يوم الاثنين الرابع عشر ربيع الأول سنة (822 هـ) نزل مرسوم السلْطان إلَى الْهرويّ أن يخرج مما ثبت عَليْهِ من الاحتيال مبلغ ثلَاثة آلَاف دِينار، فشرع في بيع موجوده إلَى يوْم الثلَاثاء نصفه بعث السلْطان من ثقاته أمِيرا إلَى بيت الْهرَويّ، فأخذ مِنْهُ مَا تَحت يده من المال المَأخُوذ من أجناد الْحلقَة، وَهُوَ ألف ألف وسِتمِائة ألف دِرهَم فلوسًا، فلم يوجد سوى ألف ألف دِرهَم، وَقد تصرف في سِتمائة ألف دِرهَم عَنْهَا نحو ثلَاثة آلَاف دِينار، فشنعت القالة عَليْهِ، وَاشَتدَّ غضب السلْطان مِنْهُ، وَبعث قاضِي القُضَاة شمس الدّين الْحنفِيّ إلَى نواب الْهرويّ، فمَنعهُمْ من الحكم بين الناس بمقتضي أنه ثبت فسقه، وحكم الفَاسِق لَا ينفذ، وولايته لَا تصح عِنْد الِإمَام
(1) أحمد بن حجر، إنباء الغمر (3/ 165) و (3/ 354) ، ويوسف بن تغري، النجوم (15/ 128) ، والمنهل (6/ 249) ، ومحمد السخاوي، الضوء (4/ 108) .
(2) محمد السخاوي، الضوء اللامع (3/ 313) ، وأحمد بن حجر، رفع الإصر ص 170.