فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 515

الشَّافعي، وهددهم مَتى حكمُوا بين الناس، فانكفوا عَن الحكم، وَفي يوْم الْأربعاء غده: صعد بعض الرسُل المرسمين على الْهرَويّ إلَى السلْطان وبلغه - على لسَان بعض خواصه - أنه تبين لهُ ولرفقائه أَن الْهرَوِيّ تهيأ ليهرب، فبعث عدَّة من الأجناد وكلهمْ بهِ في دَاره (1) .

وَفي يوْم الْخمِيس سَابع عشره: نزل السلْطان إلَى جَامعه بجوار باب زويلة، واستدعى شيخ الِإسْلَام قاضِي القُضَاة جلال الدّين البلْقِينِيّ، فارتجت القَاهِرة، وخرج الناس من الرجَال وَالنسَاء على اخْتلَاف طبقاتهم لرؤْيته فرحا بهِ، فعندما رآهُ السلْطان، قامَ لهُ وأجله، وَبَالغ في إكرامه وأفاض عَليْهِ التشريف، وشافهه بولَاية القُضَاة، وَتوجه جلال الدّين من الْجامِع إلَى المدرسَة الصالحية، فمر من تَحت الربع، وَعبر من باب زويلة، وسلك تَحت شبابيك الْجامِع، وَقد قامَ السلْطان في الشباك ليراه، فأبصر من كَثرة الْخلق وَشدَّة فرحهم وعظيم مَا بذلوه وسمحوا بهِ من الزعْفَران للخلوق، والشموع للوقود، مَعَ مجامر العود والعنبر، ورش مَاء الورد، وضجيجهم بالدعَاءِ للسلْطان مَا أذهله، وَقوي رغبته فيهِ، وَسَار كَذَلِك حَتَّى أن بغلته لَا تكَاد أن تَجِد موضعا لحوافرها، حَتَّى نزل بالمَدْرسَةِ الصالحية وَمَعَهُ أهل الدولة عَن آخِرهم لم توجه إلَى دَاره، فكَانَ يوْمًا مشهودًا، واجتماعًا لم يعْهَد لقاض مثله، ومما قاله مُحمَّد بن عَليّ القرشِي الْعَبدَري المَكيّ لما أعيد للقضاء:

عود الِإمَام لدَى الْأنام كعيدهم ÷ بل عود لَا عيد عَاد مِثاله

أجلى جلال الدّين عَنا غمَّة ÷ زالت بعون الله جلّ جَلَاله

ومما أنشأه ابن حجة الحموي، وقد أرخه المؤرخون يوم قراءته بالجامع المؤيدي، وذكروا أنه لم يتفق بملك مصر يوم نظيره، وهو:"الحمد لله الذي أبان فضل العرب على العجم في الكتاب والسنة، وأظهر جلال سراجهم المنير فأوضح بحسن تدريبه طريق الجنة، وأزال ظلم الجهل بنور هذا الجلال فله الحمد على هذه المنة، ونكرر حمده على نصرة أصحاب الشافعي وعود جيرته إلى منازلها العالية، ونشكره على نيل الغرض بسهام ابن إدريس فمن جهل أحكام القضاء أمست عليه قاضية، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نستعين بحسن أدائها على القضاء والقدر، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي من قابل شريعته المطهرة بدنس الجهل فقد كفر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أزالوا بفصاحتهم العربية كل عجمة، وتميزوا على"

(1) تقي الدين المقريزي، السلوك (6/ 494) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت