ولم يقبلوا (المقلد) في الإمامة والقضاء إلا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، والنزول من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى.
على أن من الواجب على الأمة أن تتدارك أمورها، وتصلح من شأنها، حتى لا يلي أمورها إلا أكفاء الناس، وأصلحهم للقيادة علما وعملا.
ولم يُجِز أحد من الفقهاء أن يلي أمور المسلمين في السياسة والقضاء من يجهل شرع الله، الذي هو أساس الحكم بين المسلمين، فإنه سيحكم بالجهل أو الهوى، وكلاهما في النار (1) .
روى بريدة مرفوعا: «اَلْقَضَاءُ ثَلَاثَةٌ؛ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِيْ فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فَي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لَلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» (2) .
ثم إن العلم هو الذي يبين راجح الأعمال من مرجوحها، وفاضلها من مفضولها، كما يبين صحيحها من فاسدها، ومقبولها منمردودها، ومسنونها من مبتدعها، ويعطي كل عمل «سعره» وقيمته في نظر الشرع.
وكثيرا ما نجد الذين حُرِمُوا نور العلم يذيبون الحدود بين الأعمال، فلا تتمايز، أو يحكمون عليها بغير ما حكم الشرع، فيُفْرِطون أو يُفَرِّطون، وهنا يضيع الدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
وكثيرا ما رأينا مثل هؤلاء - مع إخلاصهم - يشتغلون بمرجوح العمل، ويدعون راجحه، وينهمكون في المفضول، ويغفلون الفاضل.
وقد يكون العمل الواحد فاضلا في وقت مفضولا في آخر - راجحا في حال مرجوحا في آخر - ولكنهم - لقلة علمهم وفقههم - لا يفرقون بين الوقتين، ولا يميزون بين الحالين.
رأيت من المسلمين الطيبين في أنفسهم من يتبرع ببناء مسجد في بلد حافل
(1) قال «المنتقى» رواه ابن ماجه وأبو داود. وقال في «نيل الأوطار» جـ 9/ 167:أخرجه أيضا الترمذي والنسائي والحاكم وصححه، وقال الحافظ: له طرق غير هذه جمعتها في جزء مفرد. ا. هـ.